جزيرة جربة في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٨٥عمرو
روح الدين داعيا الناس إلى الضرب على أيدي الطغاة وكان لا ينفك عن هذه الدعوة في دروسه وأحاديثه أينما سار وحيثما كان وليس هذا شأن أبي وحده ولكن هذا الشعور كان يسود جميع علماء جربة أي كانوا غير راضين بهذا الوضع من الناحية السياسية في جربة أو في بقية الجهات الأخرى من البلاد التونسية.
شيوخ أبي عمرو النميلي
درس العلوم الشرعية واللغوية على أبي مسور وابنه فصيل وأبي موسى عيسى بن السمح الرباني وغيرهم من العلماء في ذلك العصر كانت الجزيرة تغص بالعلماء وكانت تعقد فيها الاجتماعات العلمية في شتى الفنون في هذا الجو العلمي نشأ وترعرع مترجمنا واقبل على حلقات الدروس يتلقى العلوم ويقتبس الأخلاق الفاضلة ويأخذ السيرة العطرة من أعلام أبي مسور وغيرهم ساعدة ذكاءه الوقاد ونشاطه المستمر وصبره على طلب العلم وقد بلغ أبو عمرو النميلي درجة علمية أهلته إلى أن يكون مدرسا ومؤلفا وكفاه فخرا أن كان احد العلماء السبعة الذين اشتركوا في تأليف ديوان الأشياخ في أول القرن الخامس الهجري (141) قضى النميلي عمره في نشر العلم ومحاربة المنكر في شتى صوره وألوانه. عاش في الفترة الأولى من حياته ينعم بالحركة الفكرية لأن جربة تخلصت من الثائر أبي يزيد النكاري سنة
335 هـ وعاشت جربة ما يزيد عن 60 سنة مستقلة عن الدولة الفاطمية. استقر الأمن في الجزيرة ورجع الحكم إلى مشائخ العزابة الذين يتولون رعايتها في شتى المجالات الدينية والسياسية والاجتماعية وذاقت الجزيرة حلاوة الاستقلال وتمتعت بعدالة الإسلام التي يطبقها علماء الإباضية وكان الشيخ النميلي ضمن هيئة العلماء الذين يديرون أمر هذه الجزيرة ويتولون شؤونها حافظ المجتمع الجربي على أصالته وإسلامه وعروبته لا تستعبدهم القوة ولا تغريهم الشهوة ولا تجرفهم تيارات الانحراف فكان الجربيون يتمسكون بأخلاق الإسلام وكان العلماء يوجهون الناس التوجيه السليم بالموعظة الحسنة والقدوة الصالحة والبيان الفصيح الصريح مستمدين سيرتهم من المسلمين المهتدين في عهد النبوة والخلفاء الراشدين رضي الله عنهم أجمعين.
بلغت الجزيرة من النضج العلمي والسياسي ما جعلها لا تتحرج من نقد سلوك الحكومات الظالمة التي كانت تجاورهم بقيت جربة آمنة مطمئنة تنشر العلم وتكون الجمعيات الخيرية والثقافية ويشتغل علماؤها بالتأليف والتدريس إلى سنة 431 هـ حين جهز المعز الصنهاجي جيشا واحتل جربة وارتكب فيها أقبح جريمة يرتكبها قائد حربي فقد جمع حوله أكبر طبقة من العلماء وأمر بقتلهم معتقدا أنه بقتل هذه النخبة من العلماء يستطيع أن يضمن طاعة جربة وان يحول سكانها من المذهب الإباضي إلى المذهب المالكي كما كان يحاول أن يفعل ذلك في بقية إفريقية فقد أجهد نفسه وأجهد الناس معه على أن يحملهم جميعا على المذهب المالكي ونكل بكل من يخالفه. وكان من العلماء الذين قتلهم أبو عمرو النميلي وقد بلغ مائة وعشرين سنة من عمره المبارك قضاها في نشر العلم. أمر قائده فذبح الشيخ كما تذبح الأغنام ولم يشفع له عنده الطاغية ابن باديس لا جلالة علمه ولا وقار سنه وهكذا كتب للنميلي أن تختم أعماله المجيدة بالشهادة أن بعد حمل رسالته قرنا كاملا من الزمن. ويروى أن رجلا خرج ليلا إلى مكان المقتلة يتفقد القتلى من بقي فيهم حيا فسمع صوتا يقول يا قاتل آبي عمرو النميلي شتت الله شملك وأزال عزك فلم يلبث المعز إلا أياما خرج عليه الثائر
(141) - توجد نسخة خطية تحت رقم 91 بالمكتبة البارونية بجربة