جزيرة جربة في موكب التاريخ يوسف بن أمحمد الباروني

جزيرة جربة في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٨٦

يونس ابن يحي الطنبري وفرق ملكه وقتل رجاله وخرب سلطانه وقبر الشهيد النميلي يوجد شمال مسجد الجامع الكبير بالحشان وقد جدد ضريحه الشيخ يوسف بن أمحمد الباروني ووضع رخامة للذكرى والاعتبار. (142)

أبو محمد عبد الله بن مانوح اللمائي

نشأ أبو محمد عبد الله اللمائي في قبيلة لماية في البادية صحيح البنية قوي الإرادة فصيح اللسان صادق العزم فلم تتح له الأقدار أن يتعلم في طفولته فشب أميا لا يعرف القراءة والكتابة اشتغل في أول طفولته بتربية الماشية كما كان يشتغل أكثر سكان البادية يتولى رعايتها بنفسه وهي في السهول الخضراء تنتقي العشب مر به شيخ من شيوخ لماية فسلم عليه وحدثه فعرف نجابته وأشار إلى غنمه وقال له: "أعلم أن غنما ترعاها اللحية هي خير الغنم وان لحية تتبع الغنم هي شر اللحى" (143). فكر هذا الراعي في هذه الجملة وتحقق أن اللحية التي تقضي عمرها ترعى الغنم لا تزيد أن تكون شاة من الغنم من ذلك اليوم قرر أبو محمد اللمائي أن يغير مجرى حياته بعد أن اجتاز مرحلة الطفولة والشباب. وفي المساء عاد أبو محمد بغنمه إلى الحي الذي يسكنه وجمع حوله أصحاب الأغنام وقال لهم: ابحثوا عن رجل يرعى غنمكم واني متوجه إلى مدرسة الجامع الكبير بجربة لطلب العلم فاخذ الزاد والراحلة وقصد المدرسة المسورية يحضر دروس الأشياخ الثلاثة أبي مسور وأبي صالح اليهراسني وأبي موسى عيسى بن السمح الرباني تلقى الدروس في أول أمره عن طريق التلقين فحفظ السور القصار من كتاب الله وتعلم الأحكام العلمية للإسلام بدون تعمق. لزم أبو محمد المدرسة يحضر دروس أولئك الأشياخ زمنا طويلا ظن أنه ابعد الجهل عن نفسه وبلغ من العلم مبلغا. رجع أبو محمد إلى قبيلته لماية فاستقبله أهل الحي بالترحاب وفرحوا بمقدمه حيث أصبح حيهم يأوي عالما فقيها قدم أبو محمد عبد الله مانوح فاستقبله الشيخ اللمائي السلف الذكر الذي حثه على طلب العلم وأكرمه وناقشه في مسائل عديدة من فنون العلم وعرف أن أبا محمد لم يبلغ الدرجة التي يؤملها له ونصحه بقوله: "أعلم أن الجمال تبرك للحمل عليها ولكن تتفاضل في تبليغ الأحمال." فكر أبو محمد في هذه الحكمة التي سمعها من شيخ عالم صادق ناصح وأشار عليه أنه لم ينل من العلم ما يكفي لإرشاد قومه فعاد مرة ثانية إلى مدرسته للاستزادة من العلم ولازم دروس المشائخ زمنا طويلا وعاد إلى قبيلته فاعترضه ذلك الناصح مرة أخرى وقال له: "أعلم أن الغدران كلها تأخذ الماء وإنما التفاضل فيما يبقى فيها من الماء" استجاب أبو محمد لنصيحة الرجل للمرة الثالثة وعاد إلى جربة مدة أخرى حتى اعترف له العلماء بالتفوق العلمي وبلغ درجة الاجتهاد وأخيرا انتخب عضوا في تأليف الموسوعة الفقهية التي ألفت في غار مجماج (144) كان نير البصيرة قويا في الحق مخلصا ذا فهم صحيح لمقاصد الشريعة مجتهدا في العبادة يحمل نفسه على العزيمة شديد الاحتياط في الطهارة ولما تقدم به السن أصيب بمرض في عينيه زاره صديقه أبو عمران موسى بن زكرياء فتذاكرا في مسائل متنوعة حتى أفضى

بن

142) تبرع بالرخامات التي وضعت على بعض الأعلام في روضة الجيطالي المرحوم الفاضل الحاج محمد آرواي من غيزن من أعيان الجزيرة له أياد بيضاء على كثير من المشاريع الخيرية 143 - الطبقات للدرجيني ج 2 ص 400

144

--- ديوان الأشياخ مخطوط من أهم مصادر الفقهية عند الإباضية يوجد في المكتبة البارونية بالحشان جربة تحت عدد 156