جزيرة جربة في موكب التاريخ يوسف بن أمحمد الباروني

جزيرة جربة في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٩٢

وروي عنه رحمة الله عليه يقول "ظلم الناس الإسلام بثلاث. تركوه من غير عيب وجعلوا له عيوبا لم تكن فيه وادعوه ولم يكن فيهم" وقال "سرعة اللسان بالاستغفار والتهادي على الذنوب توبة "الكذابين من يتوب ثم يرجع إلى معاصيه كالمستهتر "بربه ويقول "احذروا الناس فإنهم ما ركبوا ظهر بعير إلا أدبروه ولا متن جواد إلا عقروه ولا قلب مسلم إلا أفسدوه" قال أبو الربيع يكون الرجل في قعر بيته قد غلقت عليه الأبواب واقفا في صلاته في جوف الليل ليس معه غيره وهو "مراء بصلاته" قيل له كيف ذلك قال "إذا أحب في نفسه أن يظهر ذلك للناس ويطلعوا عليه".

آراءه السياسية

يقول أبو الربيع يكون الرجل في مطلع الشمس وتكون الفتنة في مغربها وهو في بيته على سريره راقد لم يحضر بنفسه ولا بماله وسيفه يقطر دما من تلك الفتنة" قيل له كيف ذلك؟ قال: "إذا مال بقلبه إلى إحدى الطائفتين" دخل أبو الربيع المسجد ذات يوم وجلس في زاوية فجلس بجانبه صديقه يزيد بن يخلف الزواغي يستمعان إلى درس يلقيه العلامة أبو يعقوب محمد بن يدر فسأله أحد الحاضرين هل يجب علينا العمل بالفرائض؟ فأجابه أبو يعقوب خطأ إذ قال لمن سأله "علينا العمل بالفرائض وليس علينا العلم بها فاتجه يزيد إلى صديقه أبي الربيع وسأله بحيث يسمع الحاضرون سؤاله "يا سليمان ما الذي أخذت أبي عبد الله أبي بكر في هذه المسألة قال أبو الربيع: "إذا لزم العمل بشيء لزم العلم به وان في فعله الثواب وأنه فرض وعدل." دوى صوت أبي الربيع بهذا الجواب في جوانب المسجد فلم يرد عليه أحد. ومع ذلك فلم يعلن أبو يعقوب عن رجوعه ولم يطلب منه الشيخان أن يرجع عن قوله في هذه القضية المبسوطة في علم الكلام وهي من المسائل الخلافية بين الإباضية وبين الفرق الإسلامية الأخرى لأنه لا يعقل أن يقوم الإنسان بعمل لا يعرف كيف يقوم به لأن العلم أصل العبادة وروحها. كان أبو الربيع شاعرا مطبوعا يجيد الجزل والشعر باللغة الدارجة كما يجيد الشعر باللغة البربرية.

عن

بن

يقول الدرجيني "كان أبو الربيع فرضيا متقنا لمسائل الفروع في المذهب ناظما للقريض وله أشعار في الوعظ قد رويت وانتفعت بها الأجيال وكان إلى جانب علمه وحسن خلقه ونزاهته كريما مطبوعا على الكرم فلم يبق من ماله الكثير إلا القليل وكان بعض الأصدقاء ينصحونه بأن يبقي لأولاده فكان يقول لهم: "أن يكونوا أولياء الله فإن الله لا يضيعهم وان يكونوا غير ذلك فأنا أولى بمالي منهم. " (154)

ولما تقدم به السن قل ماله وضاقت ذات اليد فجاءه صديقه "بياضة بن عزوز" وقال له يا شيخ أن مالك قل ومئونتك قد كثرت فهل في خمسين ويبة تمرا أو مائة شاة من أحمد تكون لك من عندي في كل سنة من إنتاج فلاحتي تستعين بها على ضيوفك وضيوف المسجد وضعفاء أهل الدعوة فقال له أبو الربيع "لا والله إن في ما أبقى الله لكفاية أؤدي منها حقوق من ذكرت ولو على عسر ولكن إذا كنت فاعلا فقم بحقوقهم كما قام بها غيرك وتولى ذلك بنفسك (155). كما كان يفتي بإخفاء المكاسب إذا كانت الدولة جائرة تفرض الضرائب وتجمعها على المواطنين. وكان تلاميذ أبي الربيع سليمان بن يخلف أكثرهم من أهل سوف وأريغ وورجلان والمزاب ومنطقة الجريد وجربة توفي سنة 471 هـ بتونين قرب تمولسة وضريحه بورجلان بالجنوب الجزائري وله مسجد يسمى باسمه. هذه

154) - كتاب الطبقات للدرجيني ج 2 ص 52 155) الدرجيني ج 2 ص 520