الدولة الرستمية بالمغرب الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ١٠٠Converted by Tiff Combine - (no stamps are applied by registered version)
وقد أضفى كتاب الإباضية على بناء تاهرت لونا قصصيا مثيراً فهم يروون لبنائها قصة عجيبة أشبه بقصة عقبة وبنائه للقيروان. فبعد أن اتفق الجميع على موضع تاهرت أمروا مناديا: (فنادى بأعلى صوته من بها من الوحش أن اخرجوا وارتحلوا فانا مريدون عمارتها ونازلين بها وأجلوا ثلاثة أيام قال أبو زكريا إنهم رأوا وحشا تحمل أولادها فى أفواهها يعنى سباعا والله أعلم وهى خارجة من تلك الأشجار والغياطل فرغبهم ذلك فيها وزادهم بصيرة في عمارتها فلما تم الأجل أرسلوا فيها ناراً فأحرقت ما ظهر من الأشجار) (117). ويبدو أن الأمر لم يكن يعدو أكثر من عملية تطهير للمنطقة من الأشجار بحرقها لإزالتها بسرعة وقد دفع ذلك الحيوانات إلى أن تهرع من المنطقة خوفا من الحريق، فتطرق خيال الكتاب إلى نسج هذه القصص لإحاطة المدينة بهالة من الكرامة والتبريك
ولم يسلم البكرى من رواية مثل هذه القصص، فعبد الرحمن بن رستم والإباضية عندما نزلوا تاهرت أدركتهم صلاة الجمعة (فصلى بهم هنالك فلما انقضت الصلاة ثارت صيحة عظيمة على أسد فأخذ حيا وأتى به إلى الموضع الذى صلوا فيه وقتل هناك فقال عبد الرحمن بن رستم هذا بلد لا يفارقه سفك دم ولا حرب أبداً) (118) وفى موضع آخر يروى البكرى أنهم (لما أرادوا بناء تاهرت كانوا يبنون النهار فإذا جن الليل وأصبحوا وجدوا بنيانهم قد تهدم فبنوا حينئذ تاهرت السفلى وهي الحديثة) (119)
أما تخطيط تاهرت فقد جرى على النحو الذى اتبع في بناء المدن الإسلامية الكبرى، بحيث تساعد على انصهار أفراد المجتمع وامتزاجهم وعدم التفرقة بين عناصرهم (120). فاختط الإباضية المسجد الجامع من أربع بلاطات واستعانوا في
(117) الشماخي: السير، ص 139
(118) البكرى: المغرب فى ذكر بلاد إفريقية والمغرب، ص 68) وذكر هذه الرواية أيضاً ياقوت في معجم البلدان، ط. دار صادر و دار بيروت، ج 2، ص 9).
(119) البكرى: المغرب فى ذكر بلاد إفريقية والمغرب، ص 67
(120) د. إبراهيم العدوى: بلاد الجزائر، ص 193
98