الدولة الرستمية بالمغرب الإسلامي: حضارتها وعلاقتها الخارجية بالمغرب والأندلس محمد عيسى الحريري

الدولة الرستمية بالمغرب الإسلامي

الجزء ١ · صفحة ٢٣٠

Converted by Tiff Combine - (no stamps are applied by registered version)

الدولة فيها حكرا على عصبيات بعينها، تستأثر بها دون العناصر الأخرى، حيث لم يسمح الأئمة الأقوياء بشئ من ذلك (31). وبضعف الأئمة تفشى نفوذ العصبيات القبلية، والطوائف المذهبية، حيث ازداد أثر هذه الطوائف وخاصة في أواخر عصر بنى رستم، الأمر الذي دعا الإمام أبو اليقظان محمد إلى الانتقاص من سلطات بعض القبائل، التي كانت تستأثر بالمناصب العامة، وجعلها مشاعا بين كافة الفرق والطوائف من غير الإباضية، كما اتخذ مجلسا للمشورة يضم إلى جانب شيوخ القبائل وأعلام المذهب الإباضي كثيرين من الكوفيين والمالكية والواصلية (32).

ومهما يكن من أمر، فقد عجز الرستميون عن التوفيق بين مطالب الحكم، ومثاليات المذهب الإباضى، ودارت الصراعات بين محاور مختلفة، تمثل مصالح القبائل البدوية الطامعة فى السلطة، ورغبات الفرس، وتطلعات الجند والعرب (33). ويفسر بل، وجوليان عجز الرستميين عن اتخاذ خطوات عملية لانقاذ نظامهم السياسي، بأن الرستميين لم يكن لديهم جيش ثابت منظم يواجه هذه الأطماع (34)، الأمر الذى دعاهم إلى اللجوء إلى الأساليب الملتوية، كالتجسس، وتقديم الرشاوى، والخداع فضلا عن الاغتيال السياسي، مما يدل على اختفاء أى أثر - تقريبا - لفكر الإباضية المثالى في الميدان السياسي لنظم الحكم الرستمية بعد وفاة عبد الرحمن بن رستم (35). فعبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم، حين أعيته الحيلة فى قمع ثورة خلف بن السمح، بث العيون والجواسيس للوقيعة بين خلف وأتباعه وأرسل إلى أتباع خلف سرا يمنيهم بالأموال والضياع (36). ولجأ أفلح بن عبد الوهاب، إلى سياسة الدس بين القبائل يقول ابن الصغير: (فلما رأى ذلك) أفلح (أرشى ما بين كل قبيلة ومجاورها، فارشي بين لواتة وزناتة، وما بين لواتة ومطماطة، وما بين الجند والعجم، حتى تنافرت النفوس ووقعت الحروب، وصارت كل قبيلة ملاطفة لأفلح خوفا من أن يعين صاحبتها عليها) (37). واغتال أبو بكر بن أفلح صهره محمد بن عرفة الذي كان وزيره وساعده الأيمن فى إدارة شئون الدولة، فأثار سخط الفقهاء وتبرمهم (38). وأخيرا لقى أبو حاتم يوسف بن محمد مصرعه على يد بعض المتآمرين من أبنهاء البيت الرستمى، وذلك طمعا في الوصول إلى الحكم (39)

،

228