الإمامة والتقية عند مفكري الأباضية
الجزء ١ · صفحة ٦٣ثانياً: التقية بين الواجب والجائز والمستحيل
لم يوافق الأباضية رأى الخوارج القائل باستحالة التقية بإطلاق لأنها علامة على ضعف الإيمان في القلب، وفي نفس الوقت لم يوافقوا رأى الشيعة وأهل السنة القائل بوجوب التقية لأنها أصل من أصول الدين واجبة الاعتقاد والتطبيق فى جميع الأحوال، وأجمع جمهور الأباضية على القول بجواز التقية لأنه الرأى المناسب لحقيقة الإيمان الجامعة بين الإقرار باللسان والعقد بالجنان والعمل بالأركان.
ولأن التقية عند الأباضية أحد الوسائل الفاعلة لتحقيق الإمامة عبر مسالك الدين الأربعة التى هى مراحل الإمامة فقد لازمت التقية الإمامة عندهم، فكانت واجبة في إمامة الكتمان، وكانت جائزة في إمامة الدفاع والشراة وكانت مستحيلة في إمامة الظهور.
ولقد تنبه الأباضية إلى ضرورة التمييز بين التقية في القول والتقية فى الفعل، ومن ثم قالوا بجوازها فى القول واستحالتها في الفعل وهو ما قال به السالمي في أرجوزته فقال: أجز تقية بقول إن خلص من نيل ضر من به القول يخص وأمنعها في إتلاف نفس إن جنى والخوف في اتلاف مال ضمنا فالبيت الأول يشير إلى مواطن جواز التقية وفيه يقول: اعلم أن التقية وهى الفعل المكره عليه على أدائه إما أن يكون قولاً أو فعلا غير القول أى غير حقيقته المرادة منه فإن كان قولا فقد أبيحت التقية به إلا إذا جرّ ضرراً بإنسان أو أتلف نفساً، أما إذا أتلف مالا لغيره ففيه
خلاف يأتي.
ومثال التقية بالقول إذا لم يكن فى القول ضرر على أحد هي كإجراء كلمة الكفر على اللسان والقلب مطمئن بالإيمان، وكولاية المبطل وعداوة المحق باللسان إذا كان القلب مضمرا خلاف ذلك، وكالعتاق والطلاق، وهل يثبت الطلاق بذلك القول الناشئ عن