الإمامة والتقية عند مفكري الإباضية عبد الحميد درويش

الإمامة والتقية عند مفكري الأباضية

الجزء ١ · صفحة ٦٥

الدم ونحو ذلك، وإما أن تكون من الأفعال التي لم يبيحها الله للمضطر كحرق النفس وغرقها والقتل بغير الحق ونحو ذلك، فإن كان من الأفعال التي أباحها الله للمضطر فقد اختلف في جواز التقية بها على ثلاثة أقوال الأول الوجوب، والثانى الإباحة، والقول الثالث الحظر (المستحيل). واستدل القائلون بالحظر أى الاستحالة بقصر إباحة هذه الأشياء على المضطر بالجوع، فإن النص إنما أباحها في ذلك المحل لا مطلقا، والقائلون بإباحتها أى جوازها لم يعتبروا المعتاد وإن كان الفعل من غير المباح للمضطر فلا يجوز في التقية قولاً واحداً، أى أن هناك إجماع على القول باستحالة التقية في الفعل إلا إذا كان هناك استكراه أو تهديد بقتل النفس وإزهاق الروح وفيه قال المصنف كالحرق والقتل وكالغرق وهو إزهاق روح إنسان، ولهذا جوز الأباضية استخدام التقية عند التهديد بالقتل ومثاله: حكم المكره على فعل يقام عليه الحد، واستدلوا على ذلك بالحديث النبوى "ادرأوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن وجدتم للمسلم مخرجاً فخلوا سبيله، فإن الإمام لئن يخطئ فى العفو خير من أن يخطئ في العقوبة". وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وسلم: "ادرأوا الحدود بالشبهات وأقيلوا الكرام عثراتهم إلا فى حد من حدود الله". " وفيه قالوا: إن القتل ليس بحد وإنما هو حق لولى المقتول بدليل جواز العفو عن القاتل وشأن الحدود أنه لا يجوز العفو عنها.

وبالرغم من قول الأباضية بكراهة التقية وقت إمامة الظهور فإنهم لم يوافقوا الخوارج القول باستحالة التقية لأنها الضعف الذي يوهن القلب ويضعف الإيمان، وأنه لا بد من تطابق محتوى القلب ومنطوق اللسان مع سلوك الجوارح ورد الأباضية على الخوارج بالعديد من الحجج لإثبات القول بجواز التقية، وأن ذلك لا يخرج المرء عن دائرة الإيمان فقالوا: من اعتقد الحق بقلبه وتلفظ به بلسانه وعمل بمقتضاه بجوارحه فهو مؤمن مسلم، ومن اعتقد الحق بقلبه ولم يتلفظ به بلسانه من دون عذر مانع يمنعه من ذلك قهرا أو جبرا أو

1 - رواه الترمزى فى كتاب الحدود رقم 1424 عن الزهرى عن عروة عن عائشة رضى الله عنها. 2 - رواه ابن ماجة في كتاب الحدود رقم 2545 عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة رضي الله عنه.

67