الإمامة والتقية عند مفكري الإباضية عبد الحميد درويش

الإمامة والتقية عند مفكري الأباضية

الجزء ١ · صفحة ٦٩

ومن هذا التاريخ انطلقت المدرسة الأباضية في بناء كيانها متبعة مسلكاً من مسالك الدين ألا مسالك الدين ألا وهو مسلك الكتمان أو التقية، الذي يقوم على إقامة الحلقات العلمية السرية التي ترمي إلى تكوين الدعاة الذين سيقيمون أركان الإمامة التى تسمى إمامة الظهور. ويجمع الأباضية على أن التقية واجبة في إمامة الكتمان والدفاع وبأنها مكروهة في وقت إمامة الظهور، أى حين يكون المجتمع المسلم ظاهر على أعدائه، حر في أراضيه، مستقل بأحكامه، عامل بكتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم منفذ لأحكام الدين وغير خاضع لأجنبي بوجه من الوجوه، وهذه هي حالة القوة والعزة والكرامة والظهور.

ومثال إمامة الظهور التى تكره فيها التقية كزمن أبي بكر وعمر، وإمامة الظهور الأولى والثانية فى عمان وحضرموت، وإمامة الظهور فى زمن الدولة الرستمية ببلاد المغرب العربي. وكما تكره التقية في زمن إمامة الظهور تكره في زمن إمامة الدفاع كوقت الإمام عبد الله بن وهب الراسبي. وعلة كراهية التقية في وقت الظهور عندهم الحاجة إلى إظهار القوة والوقوف في وجه الدولة الباغية يأمرونها بالمعروف وينهونها عن المنكر ويلزمونها أن تسلك طريق الصواب، فهذا الموقف لا يحتاج إلى التقية بل يحتاج إلى إظهار القوة والتزام الحق والصواب. كما أجمع الأباضية على أن التقية هي الوسيلة الرئيسية للحفاظ على استمرار الإمامة الأباضية الكبرى وسائر أنواع الإمامة فى مراحلها المختلفة، بالإضافة إلى أهميتها في الحفاظ على قواعد المذهب واستمراريته.

وهناك رأى يرى أن التقية كمبدأ عام عند الأباضية وأصل من أصولهم هو بمثابة الأصل الخامس عند المعتزلة وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مما يعكس البعد السياسي لمعتقد التقية أنه مرتبط بأصل الجهاد وبناء الأمة وإصلاحها وهو كالأمر بالمعروف يعتبر من مسالك الدين ووسيلة هامة لإزالة الظلم والحيف السياسي عن المجتمع الإسلامي.

71