الإمامة والتقية عند مفكري الإباضية عبد الحميد درويش

الإمامة والتقية عند مفكري الأباضية

الجزء ١ · صفحة ٧٥

كما استشهدوا بموقف رجلين من المسلمين أمسك بهما مسيلمة

الكذاب الذي ادعى النبوة، فقال لأحدهما ما تقول في؟ فقال: أنت رسول الله فخلى سبيله. وقال الثاني: أنا أصم ورفض جوابه فقتله. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أما الأول فقد أخذ برخصة الله، وأما الثاني فقد صدع بالحق فهنيئا له. ومعنى الأخذ برخصة الله أى جواز التقية لقول الحق سبحانه: "إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان". كما يشير الحديث في نفس الوقت إلى استحسان رفض التقية وأن الإيمان الحقيقى يتطلب الثبات والصدق وشجاعة الحق. ولعل ذلك وراء موقف الأباضية في عدم الإجماع على جواز التقية بالفعل كما أجمعوا على التقية بالقول.

وفى حين أجمع الأباضية على عدم جواز التقية بالفعل، فقد أجمعوا على تحريمها وعدم جوازها بقتل النفس بغير حق، وفي نفس الوقت جوزوا التقية بشرب الخمر أو إتلاف مال الغير. ومع ذلك ذهب بعض الأباضية إلى وجوب التقية إذا كان الفعل المكره عليه مما يباح عند الضرورة كشرب الخمر وأكل الميتة ولحم الخنزير وذلك لأن صون النفس واجب وليس في ذلك ضرر على حيوان أو إنسان. وهذا الرأى هو مذهب ابن بركة من الأباضية، وقد وافقه عليه الفخر الرازى، غير أن السالمي خالفهما وذهب إلى الإباحة لا الوجوب.

ونلاحظ أن الأباضية ليسوا وحدهم القائلين بجواز التقية بالقول، فهناك آراء عديدة قد رخصت وأجازت القول عند موالاة العدو بالقول عند الخوف والقهر وعدم استطاعة إظهار العداوة. وقد بين ذلك الإمام محمد بن عبد الوهاب فى الرسالة السادسة من كتاب مجموعة التوحيد ناقلا عن ابن جرير الطبرى وابن أبي حاتم قول ابن عباس: ليست التقية بالعمل إنما التقية باللسان وتفسير ذلك عنده أن الله تعالى نهى المؤمنين أن يلاطفوا الكفار ويتخذوهم وليجة أى بطانة من دون

- نور الدين السالمي: مشارق أنوار العقول ط 1، ص 456،453،451

77