حملة العلم إلى المغرب ودورهم في الدعوة الإسلامية لسيف البوسعيدي
الجزء ١ · صفحة ٣٣فعرف أبو عبيدة منزلة كل طالب من طلابه وقدر ما ناله من علم، ويدل على ذلك أن الإمام أبا عبيدة قد أذن لبعض هؤلاء الطلاب بالإفتاء، لما تفرس فيه من مقدرة لذلك ومنع البعض الآخر من الدخول في هذا الطريق فكانت نصيحة الإمام أبي عبيدة لأبي داؤد بالابتعاد عن الإفتاء فقد ذكر الشماخي «أن أبا عبيدة قال له: لا تفت بما سمعت مني ولا ما لم تسمع وقال للإمام عبدالرحمن إفت بما سمعت وما لم تسمع وقال لأبي الخطاب إفت بما سمعت مني(8).«فكان يحب للضعيف منهم السلامة ويحب لقوي الذاكرة التقدم في الإرشاد ونشر الثقافة الإسلامية واستعمال الموهبة التي منّ الله على من شاء أن يستعملها فيما خلقت له(9).
فلما رجع هؤلاء الطلاب إلى بلادهم بعد أن ظلوا يتلقون العلم في البصرة خمس سنوات، انبثوا في أنحاء المغرب الأدنى والأوسط وزادوا من حماس أهل المغرب إلى قيام الإمامة الإسلامية العادلة وإلى التمسك بأصول الإسلام حتى عُقدت الإمامة لأبي الخطاب عبدالأعلى بن السمح المعافري(10).
«أما أبو داؤد القبلي فقد اعتزل الحركة السياسية من أول الأمر واستقر في بلده يُلقي دروس العلم فلما قُتل عاصم السدراتي لحق به جمع من تلاميذ عاصم(11).
فلم يمض وقت طويل حتى برز عدد من العلماء الأباضيين ممن تلقوا العلم من أبي داؤد القبلي وعاصم السدراتي وإسماعيل بن درار وغيرهم من حملة العلم الذين تسميهم المصادر الأباضية تلاميذ حملة العلم ومن أشهر هؤلاء «أبو خليل الدركلي ومحمد بن يانس وعمر بن يمكتن وعبدالوهاب بن عبدالرحمن بن رستم وهذا الأخير اختارته الجماعة الأباضية إماماً لها بعد وفاة والده عبدالرحمن(12).
وإذا كان أبو داؤد القبلي قد انقطع عن الكفاح السياسي والعسكري فإن لكفاحه العلمي وإصلاحه الديني أكبر الأثر في تكوين جيل مثقف ثقافة إسلامية صحيحة حريص على المحافظة على دين الله كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.