حملة العلم إلى المغرب ودورهم في الدعوة الإسلامية لسيف البوسعيدي
الجزء ١ · صفحة ٥٢فأرسلوا رجالاً من ذوي المعرفة وفرقوهم في الجهات يتخيرون مكاناً يصلح لما حاولوه، فلما رجعوا وقد وقع اختيارهم على تاهرت القديمة اتفقوا على عمارتها فأمروا منادياً ينادي إلى من بها من الوحوش والسباع: أن اخرجوا فإنا أردنا عمارة هذه الأرض، فرأوها وهي تحمل أولادها في أفواهها خارجة منها فكان ذلك مما رغبهم فيها وزادهم بصيرة في عمارتها وإنشائها.
وكان أول أعمالهم إنشاء المسجد اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم عندما حط رحله في المدينة المنورة(4).
ثم شرع الناس في البناء والعمران، وغرس البساتين والأشجار، وشق القنوات واستصلاح الأرض البور، وأقبل الناس عليهم من شتى البلدان وأقاصي الأقطار وساكنوهم وابتنوا معهم الدور والقصور بعد أن رأوا بأعينهم رخاء البلد وحسن سيرة إمامه وعدله في رعيته وما يتوافر في دولته من أمن وأمان حتى لا ترى داراً إلا قيل هذه لفلان الكوفي وهذه لفلان البصري وهذه لفلان القروي واستعملت السبل إلى بلد السودان وإلى جميع البلدان من مشرق ومغرب(5).
وذلك بفضل موقع مدينة تاهرت الجغرافي إذ تقع «على طريقين تجاريين كانا من أشهر الطرق التجارية في ذلك الوقت أحدهما طريق الشرق والغرب الذي يربطهما بمصر وببلاد المشرق الإسلامي والثاني طريق الشمال والجنوب الذي هيأ لها فرصة التجارة مع بلاد السودان التي تقع جنوب الصحراء الكبرى ومع بلاد البحر المتوسط في الشمال(6).
فغدت «تاهرت حرزاً وحصناً لجماعة أهل الدعوة وسميت المعسكر المبارك وما ذاك إلا لما توافر فيها من الأموال وما ظهر فيها من رخاء الحال وانتعاش الاقتصاد حتى سميت بأنها بلخ المغرب، أو بغداد المغرب أو عراق المغرب(7).
وقد وصفها المقدسي بأنها قد «أحدقت بها الأنهار والتفت بها الأشجار، وغابت في البساتين ونبعت حولها العيون وجل بها الأقاليم وانتعش فيها الغريب واستطابها اللبيب(8).