التأويل الكلامي عند الإباضية
الجزء ١ · صفحة ١٩•
خوضهم يلعبون) ولهذا أمرنا بالتوحيد المطلق (قل هو الله أحد، الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد)، فإذا التوحيد هو العجز عن إدراك الأسباب وكيفيات تأثيرها وتفويض ذلك إلى خالقها المحيط بها. والحجة في التفويض أن أموراً خاصة جاءت عن طريق الوحي، وهي تتضمن بعض الأسرار الإلهية التي يعجز العقل عن إدراكها أو فهم حكمتها، فلو كانت من قبيل ما يستطيع العقل إدراكه لما كانت هناك ضرورة في ورود الرسالة ونزول الوحي، وقد أتى الرسول بالفعل بأشياء يعجز العقل عن إدراكها، ولكن الإيمان بها واجب وهذا مضمون التفويض " إذ أن من عقيدة أهل السنة والجماعة أن ما كان ظاهره التعارض فالقصور في الفهم لا النقل.
موقف السلف من علم الكلام:
كلمة سلف من حيث دلالتها اللغوية تشير إلى مجرد السبق الزمني أو التقدم التاريخي، وقد وردت الكلمة بهذا المعنى عن قول الله تعالى إشارة إلى فرعون وقومه كما قال جل وعلا في سورة الزخرف " فجعلناهم سلفاً ومثلاً للآخرين (55) "، حيث جعلهم الله مثلاً وقدوة لمن عمل بعملهم من الكفار في استحقاق العذاب. والكلمة بهذا المفهوم عامة في دلالتها لا تخص طائفة بعينها بل يمكن أن يقال أن لكل جماعة سلفها الذين وضعوا أسس اتجاهاتها وقواعد منهجها. فالسلف عند القاضي عبد الجبار المعتزلي مثلاً هم أوائل المعتزلة ويشير إليهم بهذا في قوله: " وقد ألزمهم السلف رحمهم الله مسائل 1300 وهكذا فهناك سلف للشيعة والخوارج والقدرية .... الخ
•
ولكن كلمة " سلف " استعملت اصطلاحاً للإشارة إلى طائفة معينة تميزت عن غيرها من الطوائف والفرق بمنهجها في تناول قضايا العقيدة والتزامها بكتاب الله وسنة رسوله وما يمكن أن يستمد منها من مناهج. ولا نزاع في أن الصحابة رضوان الله عليهم هم سلف الأمة في التزامهم بما ورد في القرآن والسنة إذ هم الذين مدحهم الله تعالى بقوله (لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون توبة: 88) كما أثنى عليهم الرسول عليه السلام في قوله: " لا تسبوا أصحابى لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه. ويلحق بالصحابة التابعون الذين قدموا أنفسهم وأموالهم من أجل نشر هذا الدين وإعلاء
12
ابن خلدون: المقدمة، مرجع سابق ص 130، وما بعدها. 13 القاضي عبدالجبار: المغني في أبواب التوحيد والعدل، الدار المصرية للتأليف والترجمة والنشر، القاهرة د ت، ج 5،ص 26
14
صحيح البخاري، حديث رقم 3673 ص 0752
-19_