التأويل الكلامي عند الإباضية
الجزء ١ · صفحة ٢٠كلمته. وفي هذا يقول الغزالي " اعلم أن الحق الصريح الذي لا مراء فيه عند أهل البصائر هو مذهب السلف، أعنى مذهب الصحابة والتابعين " وقد يضاف إلى هؤلاء تابعي التابعين الذين أشار إليهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في قوله " خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم … الحديث ". وبينما يقف البعض بالسلف عند هذه الأجيال الثلاثة فإن البعض حاول أن يستخلص أهم السمات والخصائص والأصول التي سادت بين تلك الأجيال، واعتبر كل من التزم بهذه الأصول وتحققت فيه الخصائص سلفيا بصرف النظر عن سبقه التاريخي أو تأخره عن الأجيال الثلاثة.
وخلال التاريخ الإسلامي تميز هذا التيار السلفي عن التيارات الفكرية الأخرى التي تأثرت على درجات متفاوتة بالفلسفات والمذاهب والأديان الأخرى. وضم جماعات كبيرة من العلماء والفقهاء والمحدثين والمفسرين والمؤرخين الذين كانت لهم جهود كبيرة في الرد على أهل البدع والدفاع عن العقيدة وحماية السنة. ورغم ما بذله أولئك العلماء من جهود في توطيد دعائم المنهج السلفي، فإن المذهب ارتبط بالإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله - لما كان له من أثر كبير في إشهار المذهب وتحديد خصائصه، وذلك من خلال موقفه من المحنة التي التف بسببها الناس حوله، وأصبح لرأيه ثقة كبيرة بينهم. ويذكر ابن تيمية - رحمه الله - "أن الاعتقاد إنما أضيف إلى أحمد (ابن حنبل (لأنه أظهره وبينه عند ظهور البدع وإلا فهو كتاب الله وسنة رسوله و حظ أحمد منه كحظ غيره من السلف من حيث معرفته، والإيمان به، وتبليغه والذب عنه، كما قال بعض أكابر الشيوخ: الاعتقاد لمالك والشافعي ونحوهما من الأئمة والظهور لأحمد ابن حنبل، وذلك لأنه لما ظهرت بدعة الجهمية ومحنتهم المشهورة، وأرادوا إظهار مذاهب النفاة، وتعطيل حقائق الأسماء والصفات، ولبسوا على من لبّسوا عليه من الخلفاء، ثبّت الله الإسلام والسنة بأحمد بن حنبل - رحمه الله - وغيره من أئمة الدين، فظهرت بهم السنة، وأطفئت بهم نار المحنة، فصاروا علماً لأهل الإسلام وأئمة لمن بعدهم من علماء المسلمين – أهل السنة والجماعة، وصار كل منتسب إلى السنة لابد أن يواليه ويواليهم ويوافقهم في جمل الاعتقاد ""
وقد أشار الأشعري من قبل إلى السمات التي ميزت أحمد بن حنبل وأهلته لريادة هذا الاتجاه السلفي وإظهاره فقال: " لإنه الإمام الفاضل والرئيس الكامل، الذي أبان الله به
15 الغزالي: الجام العوام عن علم الكلام: مجموعة القصور العوالي ن ص 250
16
17
صحيح البخاري، كتاب فضائل أصحاب النبي ن حديث رقم 3651، دار السلام للنشر والتوزيع، ط 1، 1417 الرياض، ص 747
ابن تيمية: درء تعارض العقل والنقل، تحقيق محمد رشاد سالم، مطابع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ط 1، الرياض 1401، ج 5، ص 5
- 20 -