التأويل الكلامي عند الإباضية: دراسة وتحليل عبد الله بن علي الطعيمي

التأويل الكلامي عند الإباضية

الجزء ١ · صفحة ٢٢

وإذا كان القرآن والسنة هما مصدر العقيدة، عند السلف، فإنه لا ينبغي لأحد أن يقدم رأيه عليهما أو يجعلهما تبعا لهواه، وفي هذا يختلف منهج السلف من مناهج الطوائف الأخرى التي جعلت نصوص الشرع تبعاً لأهوائها فما وافق أهوائهم قبلوه وما خالفهما رفضوه أو أولوه، يصور ابن تيميه موقف الفريقين فيقول: إن أصحاب الطوائف والأهواء لا يجعلون اعتمادهم في الباطن ونفس الأمر على ما نقلوه عن الرسول، بل على ما رأوه أو على ما ذاقوه، ثم إن وجدوا السنة توافقه، وإلا لم يبالوا بذلك فإذا وجدوها تخالفه أعرضوا عنها، أما السلف فلا يوجد في كلام أحد منهم أنه عارض القرآن بعقل ورأي ولا قياس، ولا بذوق ووجد ومكاشفة، ولا قال قط قد تعارض في هذا العقل والنقل ".21 وهكذا اعتمد السلف على القرآن والسنة كمصدر استمدوا منه آرائهم في العقيدة والفكر والأخلاق والسلوك، وعليهما قاسوا كل مذهب ورأي، فما وافقهما قبلوه وما خالفهما رفضوه وردوه.

(2) المبدأ الثاني الذي استند إليه منهج السلف هو رفض تأويل نصوص الشرع ورد محاولة إخراجها عن ظواهرها إلى معانى خاصة يزعم أصحاب الأهواء أنها هي المقصودة من وراء هذه الظواهر، وقد كان التأويل بابا ولجت منه طوائف عديدة واستقلته جماعات مختلفة كالمتكلمين والفلاسفة وبعض الصوفية وطوائف الباطنية، لتدعيم آرائها وبث أفكارها المنحرفة والمتعارضة مع نصوص الشرع ومقرراته. وقد زعمت هذه الجماعات أن هناك تعارضا بين العقل أودتهم إليه عقولهم، وبين نصوص الشرع، وعملوا من ثم على إزالة هذا التعارض عن طريق تأويل النصوص

الدينية.

وقد قاوم علماء السلف هذا الاتجاه ودحضوا ما استند إليه أصحابه من زعم تعارض العقل والشرع، وأكدوا بعبارة واضحة أن ما علم بصريح العقل لا يتصور أن يعارضه الشرع البتة، بل المنقول الصحيح لا يعارضه معقول صريح قط ". وقد احتج ابن تيمية لموقف السلف هذا بقوله " فإن الحق لا يتناقض، والرسل إنما أخبرت بالحق، والله فطر عباده على معرفة الحق، والرسل بعثت بنميل الفطرة لا بتغيير الفطرة ".23.

21 ابن تيميه: الفرقان بين الحق والباطل، تحقيق زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، ط 2، دمشق 1408، ص 240 ابن تيميه: درء تعارض العقل والنقل من مرجع سابق ج 5، ص 9 المصدر السابق ن نفس المجلد، ص 45

22

23

- 22 -