التأويل الكلامي عند الإباضية
الجزء ١ · صفحة ٢٣وقد استند السلف في رفضهم للتأويل على ما يأتي: أولا: قد ورد المنع عن التأويل في القرآن ووصف الذين يتبعون هذا المنهج بالزيغ، كما في قوله تعالى " هو الذي أنزل عليكم الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وآخر متشابهات. فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وما يعلم تأويله إلا الله
W
ثانيا: التأويل مبنى على الظن ومن ثم نجد تعدد الآراء حول المعنى المراد من الألفاظ المؤولة كالاستواء على العرش مثلا. والقول في مسائل العقيدة بالظن غير جائز لأنه ربما أولنا الآية على غير مراد الله تعالى فوقعنا في الزيغ ومن ثم قال السلف ينبغى التسليم بما ورد في المسائل الغيبية خشية الوقوع في الزيغ. ثالثا: التأويل في معظم الأحيان يعود إلى هوى المؤول ومن ثم فليس هناك حدود يقف عندها. أو قانون يضبط النصوص التي تحتاج إلى تأويل وتلك التي لا تحتاج إلى تأويل ولهذا كان كل فريق من أهل التأويل كما يقول ابن تيمية يرجع في تحديده لمجال التأويل إلى ما وصفه من قواعد وأصول كأن يزن النصوص العربية بها فما وافق أصوله وقواعده من النصوص قبله، وما خالف أصوله وقواعده أوله. فأهل الكشف والذوق " وهم الصوفية يؤولون من النصوص ما لا يتفق مع كشفهم وأذواقهم، وأهل الكلام والفلاسفة يؤولون ما يتفق مع أدلتهم العقلية وبراهينهم وبعض هؤلاء يؤول الصفات الإلهية وبعضهم يعد نطاق التأويل إلى النصوص التي تتحدث عن البعث والحساب ونعيم الجنة وعذاب النار 24 وبلغ الأمر درجة خطيرة، كما هو عند الباطنية حيث افرغت النصوص من مضامينها الشرعية، وأصبحت خاوية لا محتوى لها، لهذا كان رفض السلف لمنهج التأويل وحربهم لأهله وإذا قلنا إن السلف قد اعتمدوا على ما ورد في القرآن والسنة، وأنهم رفضوا التأويل كمنهج، فهل هذا يعنى أنهم لم يعملوا عقولهم في فهم آيات الكتاب ونصوص السنة، وإذا كان الكلام كما عرفه ابن خلدون، هو الدفاع عن العقيدة بالبراهين العقلية، فهل عارض السلف الدفاع عن العقيدة، ورفضوا تقديم البراهين على صحتها وإلا كيف يفسر موقفهم
عن الكلام؟.
•
أما بالنسبة للقضية الأولى فقد حدث أن وجه الاتهام إلى أهل الحديث والسنة بأنهم أهل تقليد ليسوا أهل نظر واستدلال، وأنهم ينكرون حجة العقل. °
25
المصدر السابق، ج 5، ص 24
ابن تيميه: مجموع الفتاوى، جمع وترتيب عبدالرحمن بن محمد بن قاسم، وأبنه محمد، طبع، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة المنورة، ط 1416، ج 4، ص 55 وما بعدها
23 -
24
25