التأويل الكلامي عند الإباضية
الجزء ١ · صفحة ٢٤وقد علل ابن تيمية سبب هذه التهمة بأن خصوم السلف، كانوا يسمعون أهل الإيمان من أهل الحديث والسنة والجماعة والفقهاء والصوفية يقولون: الكتاب والسنة. وإذا تنازعوا في مسألة من موارد النزاع بين الأمة في مسائل الصفات أو القدر أو نحو ذلك قالوا: بيننا وبينكم الكتاب والسنة، فإذا قال لهم ذلك المنازع: بيننا وبينكم العقل. قالوا: نحن ما نحكم إلا الكتاب والسنة، ونحو هذا الكلام الذى هو حقيقة الإيمان، وشعار أهل السنة والجماعة ". 26
وهذه تهمة يردها إيمان السلف بما ورد من نصوص قرآنية توجه إلى التفكير والنظر واستخدام العقل في استنباط الأحكام الشرعية، والبراهين العقلية. صحيح أن السف، انطلاقا من فهمهم العقلي باعتباره وسيلة للإدراك، ومعرفتهم بحدود إمكاناته وقصوره، أخرجوا دائرة الغيب من مجالات التفكير البشرى وأوجبوا الاستناد فيها إلى الوحي ونصوصه، ولكن هذا لم يمنعهم من أن يجادلوا ويناقشوا ويبينوا قضايا العقيدة الإسلامية. ويمكن أن نضرب مثلا بموقف الإمام أحمد بن حنبل الذي يعتبر خير من يمثل السلف ومنهجهم، ففي رسالته الموسومة " بالرد على الزنادقة والجهمية " رفض ابن حنبل منهج المتكلمين ومحاولتهم تأويل القرآن وفقا لأهوائهم، وأكد أن القرآن يفسر بعضه بعضا وأنه ينبغى الاعتماد عليه وعلى السنة، التي تفسره وتبينه، في الوصول إلى أي معرفة تتعلق بمسائل الاعتقاد .. ولكنه، لم يورد خلال نقضه لآراء الجهمية، آيات القرآن ونصوص الحديث فقط بل أنه وجه هذه النصوص وحاج بها لاستخراج المفاهيم الصحيحة منها والتي تؤيدها النصوص حينما تؤخذ مجتمعه
ووفقاً لهذا رد ابن حنبل مزاعم المعتزلة وقولهم إن القرآن مخلوق واستدلالهم بالآية القرآنية " إنا جعلناه قرآنا عربيا " على أساس أن جعل في هذه الآية تعنى خلق، الأمر الذي يدل على أن القرآن مخلوق. وقد بين ابن حنبل خطأ المعتزلة منهجيا في زعمهم هذا إذ أن جعل وردت في القرآن في معان أخرى غير معنى خلق، وفي الآيات التي تشير إلى القرآن يذهب ابن حنبل إلى أن جعل تعنى فعل " فالله تعالى لما قال " في سور الزخرف: انا جعلناه قرآنا عربيا (30) إنما يعنى فعل من جعله جعلا على معنى فعله فعلا فهو من أفعال الله وهو غير معنى خلق "
ويرى ابن جنبل أنه لا ينبغى تجاوز نطاق القرآن، ومن ثم لا ينبغى السير وراء نهج المعتزلة الذى يضع المسألة في صيغة معينة ويقولون: هل القرآن هو الله أو غير الله
26
27
ابن تيميه: نقض تأسيس الجهمية، ج 1، ص 245 حنبل: الرد على الزنادقة والجهمية، ص 22 وما بعدها.
ابن
- YE-