التأويل الكلامي عند الإباضية: دراسة وتحليل عبد الله بن علي الطعيمي

التأويل الكلامي عند الإباضية

الجزء ١ · صفحة ٢٥

لينتهوا إلى القول بأنه غير الله تنزيها له تعالى ومن ثم فهو مخلوق. فالله سبحانه وتعالى لم يقل في القرآن إن القرآن أنا ولم يقل غيري بل قال هو كلامي. ومن ثم ينبغي أن يسمى القرآن بما سماه الله به فيقال هو كلام الله وما دام الله لم يسم كلامه خلقا فلا ينبغي القول بأن القرآن مخلوق .. وهكذا يرتبط عند ابن حنبل الدليل الشرعي بالنظر العقلي، فيورد النصوص القرآنية مصحوبة بالتفسير الصحيح الذي يقوم على التدبر والنظر في كل ما ورد من آيات حول الموضوع. بل أننا نجد عند ابن حنبل نماذج للحجاج والجدل العقل الذي يضع الأسئلة ويلزم الخصوم، فيقول مثلا " إذا أردت أن تعلم أن الجهمي كاذب على الله حين زعم أن الله في كل مكان ولا يكون في مكان دون مكان، فقل: أليس الله كان ولا شئ فيقول نعم، فقل حين خلق الشئ خلقه في نفسه أو خارجا من نفسه، فإنه يصير إلى ثلاثة أقوال لابد من واحد منها: أن زعم أن الله خلق الخلق في نفسه كفر حين زعم أن الجن والإنس والشياطين في نفسه، وإن قال خلقهم خارجا من نفسه ثم دخل فيهم كان هذا كفرا أيضا حين زعم أنه دخل في مكان وحش قذر ردئ. وأن قال خلقهم خارجا عن نفسه ثم لم يدخل فيهم رجع عن قوله أجمع وهو قول أهل السنة

29

هذه النماذج وغيرها لأئمة السلف تضحد الزعم بأن السلف اعتمدوا في تقرير آرائهم على مجرد سوق النصوص وتبين أنهم استخدموا عقولهم في فهم القرآن وأنهم جادلوا بالحق وناظروا بالحجة البينة، فهم رفضوا الجدال بالبدل والمناظرة أتباعا للهوى وتعصب للمذهب. فأهل السنة والحديث - كما يقول ابن تيمية - لا ينكرون ما جاء به القرآن لأن هذا أصل متفق عليه بينهم، والله قد أمر بالنظر والاعتبار والتفكر والتدبر في غير آية، ولا يعرف عن أحد من سلف الأمة ولا أئمة السنة وعلمائها أنه أنكر ذلك، بل كلهم متفقون على الأمر بما جاءت به الشريعة من النظر والتفكر والاعتبار والتدبر وغير ذلك، ولكن وقع اشتراك في لفظ " النظر والاستدلال " ولفظ الكلام، فإنهم أنكروا ما ابتدعه المتكلمون من باطل نظرهم وكلامهم واستدلالهم فاعتقدوا أن إنكار هذا مستلزم إنكار جنس النظر والاستدلال. 30

وهذا يبين موقف السلف من علم الكلام وذمهم للمشتغلين به، إذ أن موقفهم من علم الكلام ورفضهم له لم يكن ذما لمجرد الاستدلال والنظر والجدل، بل بسبب أن الكلام كمنهج استخدم أسلوبا غير يقيني ودافع عن مفاهيم باطلة - فالسلف - كما يقول ابن تيمية - لم

حنبل: الرد على الجهمية، مرجع سابق ص 27

ابن

المرجع

28

29

30

السابق ص 50

ابن تيميه: الفتاوي، مرجع سابق، ج 4، ص 55

25 -