الجالية العمانية في بلاد الهند
الجزء ١ · صفحة ٢٠19
95
مسلمين وبراهمة -، وقد تم استئذان الحاكم المسلم في تلك المدينة، فسمح لها بتنفيذ ما يتماشى مع معتقداتها رغم تنافيها مع قواعد الشريعة الإسلامية ونميل إلى الاعتقاد أن هذا المناخ من التسامح الذي عاش فيه الطرفان إلى جانب طول الإقامة لبعض العمانيين ما جعل هؤلاء يقدمون على الزواج بالنساء الهنديات، وهو ما سنعود إلى تفصيله في المحور التالي المخصص الدراسة أشكال المثاقفة.
III - دور الجالية العمانية في فضاء المثاقفة والحوار الحضاري العماني - الهندي: من البديهي أن يتمخض عن الحضور العماني في بلاد الهند أشكال متنوعة من المثاقفة كنتيجة حتمية للحوار بين حضارتين متعايشتين، مما أفرز ميلاد فضاء حضاري مشترك في مجالات الثقافة واللغة والزراعة والعمران والعادات والتقاليد.
ونحسب – منهجيا – أنه لا يتأتى إدراك خيوط المثاقفة التي تركت بصماتها في نسيج المجتمع الهندي بفضل تأثير الجالية العمانية المقيمة ببلاد الهند إلا إذا استحضرنا ثلاث مؤشرات نعتقد أنها تشكل المفاتيح الرئيسية لفهم الحوار بين الحضارتين:
1 - المحيط الهندي ودوره كمجمع للحضارات ومنتج للوحدة الثقافية.
2 - الفتوحات الإسلامية لبلاد الهند وما أنتجته من مناخ سلمي عبرت منه الهجرات المتبادلة 3 - انتقال الأفكار والثقافات المحلية بواسطة السفن والقوى التجارية المتواجدة في المحيط الهندي. وعلى ضوء هذه المفاتيح الثلاثة، يمكن قراءة الحوار الحضاري العماني - الهندي، وما تمخض عنه من
أشكال المثاقفة
فالمحيط الهندي الذي مخرته سفن العمانيين في رحلتها نحو بلاد الهند، كان - بامتياز - مجمعا للحضارات العربية والهندية والفارسية والصينية والآسيوية والإفريقية. وبقدر ما اتسعت شواطئه وخلجانه، بقدر ما تعددت شعوبه وطوائفه، وضم في سواحله أقدم الحضارات وأكثرها نضجا وعطاء، لذلك فهو يعتبر بكل المقاييس أكثر المسطحات المائية التي أسهبت في التواصل الحضاري بين تلك الشعوب، وأدت إلى انتقال كثير من عناصر الثقافة وانتشارها على امتداد شواطئه لتنصهر وتتفاعل مع بعضها البعض. وكانت التجارة أبرز المظاهر التي حملت في جوفها كل المشاهد الدينية والثقافية والحضارية، وحسبنا أن سفن المحيط الهندي في ذلك العصر لم تكن مجرد وسيلة لنقل البضائع، بل كانت أيضا وسيلة لنقل الأفكار والثقافات المحلية بين مختلف الموانئ لتصهر تلك الثقافات، وتجعل منها ثقافة متماثلة في خطوطها العامة
وإذا كانت الحركة التجارية تبدو في ظاهرها و كأنها صورة لتنقل التجار أو العلماء أو الدعاة العمانيين، فإنها مع ازدياد حركة النشاط التجاري وتحقيق الوحدة الاقتصادية للعالم الإسلامي بعد ظهور الإسلام، ومع طول الزمن
430
نفسه، ص
95