الجالية العمانية في بلاد الهند
الجزء ١ · صفحة ٢٢21
التجارة موردا حلالا لإنجاح مشاريعهم الدعوية، فإن الحديث عن التجارة هو في الوجه الآخر حديث عن نشر الإسلام و الثقافة الإسلامية، وهي قاعدة يمكن تطبيقها على موضوع الدراسة. فالتاجر العماني الذي أبحر لنقل السلع، واستقر في بلاد الهند استقرارا مؤقتا أو دائما، حمل معه الثقافة العربية - الإسلامية، وسعى بكل الوسائل لنشرها وإدماجها ضمن ثقافة الشعوب الهندية. وقد سبق التنويه بوجود قضاة وخطباء عمانيين انتشروا في بعض المدن الهندية. ولا يخامرنا الشك أن هؤلاء كانوا يقومون أيضا بمهمة التدريس لأن القاضي أو الخطيب في ثقافة الحضارة الإسلامية هو فقيه وعالم يقوم بالوعظ وتلقين الدين والمعارف الإسلامية في المساجد والزوايا، مما جعل بعض المدن الهندية تعج بالعلماء، وهو ما يفهم من قول المقدسي الذي عاش في القرن 4 هـ / 10 م وهو بصدد وصفه لمدينة قنوج الهندية أن ((بها علماء أجلة)). وقد ظل الحضور العربي العماني في المجال الثقافي قائما إلى عهد ابن بطوطة الذي تعرض لذكر العديد من العلماء والمدرسين والدعاة والصلحاء العمانيين ممن ألقوا عصا الترحال ببلاد الهند واختاروها موطنا من أمثال عز الدين الزبيري وحيدر العلوي وبدر الدين المعبري، وغيرهم
من العلماء الذين أسهموا في نهضتها المعرفية.
102
1.2
103
وقد استفادت المرأة الهندية أيضا من هذا العطاء المعرفي الناتج عن إشاعة دروس العلم و الوعظ والتدريس حتى أن نساء سلطنة هنور أصبحن ((يحفظن جميعا القرآن الكريم ((10. ونعتقد أن مصطلح "جميع" يعكس شيوع الظاهرة. وحتى لو افترضنا أن النص يحمل شحنة المبالغة، فإنه يقف شاهدا على تعميم المعرفة في أوساط النساء الهنديات. وقد رأى ابن بطوطة أثناء زيارته لتلك السلطنة الهندية بأم عينه ثلاثة عشر مكتبا لتعليم البنات، فضلا عن ثلاث وعشرين مكتبا لتعليم الذكور. وفي نفس المنحى يخبرنا أيضا أن نساء دهلي كن يؤدين صلاة التراويح في شهر رمضان، علما بأن وصفه للمدن الهندية الأخرى جاء في نسق محدد، وهو إتحاف القارئ بأخبار المدن الهندية " العالمة ". ولتسهيل فهم القرآن الكريم وتقريب أحكامه وتشريعاته لمدارك الهنود، تمت ترجمته سنة 207 هـ إلى اللغة الهندية وفي سياق المثاقفة أيضا، أسفرت رغبة العمانيين في التعامل التجاري مع الهنود إلى تعلمهم الحساب والأرقام الهندية التي سرعان ما دخلت إلى عمان و كافة أنحاء الخليج العربي، فضلا عن ترجمة بعض الكتب الهندية إلى العربية 106
1.7
105
وإذا كانت مساهمة الجالية العمانية في نشر الثقافة الإسلامية ببلاد الهند أمر لا يرقى إليه الشك، فإن مساهمتها في نشر الإسلام بها لا يحتاج إلى دليل؛ وفي تقديري أن هذا الموضوع يحتاج لدراسة مستقلة، وهو ما يجعلنا نكتفي في هذا المقام بخطوطه العريضة، تاركين لأقلام الباحثين مهمة البحث المفصل في جوانبه.
إبراهيم القادري بوتشيش، التواصل الحضاري بين عمان وبلاد المغرب … م. س، ص 44.
422، 454، 569
أحسن التقاسيم، ص
480
ابن بطوطة
، م.
س، ص
441
نفسه، ص
101
102
103
1.2
105
1.7
الشيخلي و الألوسي، م. س، ص 175
سعيد عبد الفتاح عاشور وعوض محمد خليفات، عمان والحضارة الإسلامية، منشورات جامعة السلطان قابوس، مسقط 1996
(ط 11)، ص 56