الجالية العمانية في بلاد الهند خلال العصر الإسلامي: قراءة تحليلية إبراهيم القادري بوتشيش

الجالية العمانية في بلاد الهند

الجزء ١ · صفحة ٢٤

23

لا جدال في أن العادات والتقاليد المشتركة بين ثقافتين مختلفتين تعد انعكاسا أمينا للمثاقفة والتعايش فيما بينها

112

، وهو ما يمكن البرهنة عليه بخصوص الجالية العربية والعمانية من جهة، والشعوب الهندية من جهة أخرى. يعد الزواج والمصاهرة أولى انعكاسات هذا الانصهار الاجتماعي الهندي - العماني، إذ أن طول إقامة التجار العمانيين و دعاتهم وعلمائهم وكل الوافدين على بلاد الهند من بني جلدتهم جعلتهم - حفاظا على عفتهم وإكمالا لدينهم - يرتبطون بهم بعلاقات مصاهرة عن طريق الزواج بالنساء الهنديات وترجع جذور هذا الزواج المختلط إلى القرن الأول الهجري حيث تذكر إحدى الروايات أن كعب الراسبي – أحد أفراد حاشية الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك (87) (تزوج بإحدى بنات أخت ملك الهند داهر و بعد الفتوحات الإسلامية، واشتداد عود الحركة التجارية العمانية وكثافة نشاطها في بلاد الهند، ارتفع إيقاع الزواج. ويبدو من خلال قراءة متمعنة في نص المسعودي الذي تناول فيه خبر الجاليات المسلمة و العمانية الموجودة في مدينة صيمور أن العدد الذي قدمه وهو عشرة آلاف ينحصر في الجاليات التي استوطنت المدينة بكيفية نهائية و تزوج رجالها من نساء هنديات، وهو ما يفهم من قوله (( … ) ممن تأهل و قطن تلك البلاد … ))، مما يعني أنه ربط مسألة الإقامة في تلك المدينة بالزواج والاستقرار

والملفت للانتباه في هذا الصدد ورود مصطلح " البياسرة" عنده كفئة من فئات الجاليات الإسلامية المقيمة في مدينة صيمور، ويشرح للقارئ هذا المصطلح بقوله: ((ومعنى قولنا البياسرة يراد به من ولدوا من المسلمين بأرض الهند))؛ وهو بذلك يزود الباحث بمعطى على جانب عظيم من الأهمية في دراسة التفاعل الحضاري بين

113

•

عمان والهند، ويتعلق الأمر بامتزاج الدم العربي العماني - الهندي الذي تمخض عنه ظهور هذا الجيل الجديد المسمى ب " البياسرة .. ورغم أن نص المسعودي يشمل كل الجاليات الإسلامية، فإن ذكره للعمانيين ضمنها يؤكد بالملموس أن البياسرة هم نتاج زواج مختلط بين العمانيين والهنديات، مما تمخض عنه وجود أسرة عمانية –هندية لها حمولة دلالية بارزة في حوار الحضارات وثمة نص آخر يؤكد الاتجاه نحو تكوين أسرة عمانية - هندية، يتجلى في الخبر الذي أورده المسعودي 114 أيضا حول إقدام المهلب بن أبي صفرة أثناء ولايته لإحدى ثغور الهند على تربية غلام هندي. ورغم ما تحمله الرواية من نهاية مأساوية، فإنها تسمح بالقول بوجود العنصر الهندي داخل الأسرة العمانية المقيمة ببلاد الهند مع ما يعكسه ذلك من مظاهر التعايش بين حضارتين

ومن انعكاسات المثاقفة بين الحضارتين العمانية والهندية أيضا وجود عادات مشتركة في مجال التغذية؛ وفي هذا الصدد تستوقفنا ظاهرة تأثر المسلمين وضمنهم العمانيون بالأطعمة الهندية والتعود – بحكم إقامتهم الطويلة على أكل بعض الأطعمة التي لم تكن مألوفة لديهم من قبيل التعود على أكل لحم الكركدن باعتباره نوعا حيوانيا حلالا يشبه البقر والجواميس التي كانت تربى ببلاد الهند 1. ومن مظاهر المثاقفة أيضا نسجل تأثر الهنود

115

6

الكوفي، فتح ا نفس المصدر والصفحة

السند

184

، ص

نفسه

236

، ص

المسعودي، ج 1، ص 171

112

113

114

115