الجالية العمانية في بلاد الهند خلال العصر الإسلامي: قراءة تحليلية إبراهيم القادري بوتشيش

الجالية العمانية في بلاد الهند

الجزء ١ · صفحة ٩

29

ولما كانت بلاد الهند أقرب البلدان إلى عمان، فمن البديهي أن تتجند طائفة من الأئمة والعلماء الأباضيين

الذين رافقوا التجار وتفانوا فى نشر الإسلام والثقافة الإسلامية بتلك الديار فحضور الدعاة والخطباء والوعاظ العمانيين بها كان ضروريا وواجبا يقتضيه المذهب الأباضي، وهو ما ينهض حجة على المقاربة المذهبية في تفسير وجود جالية عمانية بالهند

أما المقاربة الأمنية فتتجلى في كون الأمن الذي يعد من الشروط الأساسية لانتقال الجالية العمانية إلى بلاد الهند، جعل الدولة العمانية تسعى بكل إمكانياتها إلى تأمين الطرق البحرية المؤدية إليها، وقطع دابر القرصنة التى كانت تطال أحيانا السفن التجارية العمانية. لذلك عملت على تقوية الأسطول البحري في عهد الإمام المهنا بن جيفر (226 - 237 هـ / 84 (851 م، والصلت بن مالك الخروصي (237 هـ - 273 هـ / 851 -

(86

، ووجيه بن يوسف الذي بلغ الأسطول في عهده تسعة وثمانون مركبا، وهو إجراء كان الهدف منه تأمين

29

ومن

السواحل والمسالك التجارية البحرية المؤدية إلى بلاد الهند، حرصا على سلامة التجار والمسافرين المعروف أن معظم الرحلات من عمان نحو الهند وإليها كان تتم عبر البحر لكون الطريق البحري أقل عرضة لحركة اللصوصية المهددة لسلامة التجار السالكين طريق البر، فضلا عن أن مشكل الماء لم يكن مطروحا في الرحلات البحرية 30، ولذلك كانت المقاربة الأمنية تسير في اتجاه تشجيع السفر عبر الطرق البحرية لأنها أكثر أمانا، وأقل تهديدا لسلامة المسافرين حصيلة القول أن كل هذه المقاربات التي وظفناها، المادية منها والدينية والمذهبية والمكانية، تسمح للباحث بتفسير وجود جالية عمانية ببلاد الهند وعوامل انجذابها إليها. فمتى بدأت هذه الجالية في الاستقرار بالمدن الهندية؟ وكيف وصلت إليها؟ وما هي وضعيتها وعلاقتها بالمجتمع الذي عايشته؟ تلك جملة من الأسئلة التي نسعى للإجابة عنها في المحور الثاني من هذا البحث

II - الجالية العمانية من الهجرة إلى الاستقرار والاندماج في المجتمع الهندي: 1 - مكونات الجالية العمانية ببلاد الهند:

لم تفصح المصادر بما فيه الكفاية عن مكونات الجالية العمانية المتواجدة بالهند خلال الفترة مدار البحث، فالمسعودي الذي زار مدينة صيمور الهندية سنة 304 هـ /916 م، أورد خبر مشاهدته للجالية العمانية في هذه المدينة في سياق روايته حول الجاليات الإسلامية بشكل عام، دون تحديد لفئاتها وأطيافها التي كانت تتشكل منها، لكنه لمح في إشارة مهمة رغم أنها عابرة ومقتضبة ما يسمح بالاستنتاج أن فئة التجار العمانيين كانت الأكثر تمثيلا لهذه الجالية، وهو ما يفهم من قوله: ((وفيهم خلق من وجوه التجار ((، على الرغم من أن هذا القول يشمل كل الجاليات الإسلامية موضوع الرواية. ويتأكد هذا الاستنتاج من خلال ما ذكره في موضع آخر بأنه كان يستقي

31

سرحان بن سعيد الأزكوي، كتاب كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة، منشورات وزارة التراث القومي والثقافة، مطابع سجل العرب، مسقط 1986 (2)، ص عبد الرحمن العاني، م. س، ص 172

30

31

مروج

الذهب،

43 - 44

، م. س، ج 1، ص 210