الجواهر والالئ في تاريخ عمان الشمالي
الجزء ١ · صفحة ١٣مع كثرة عددهم وعلو نسبهم لا يتمتعون ببلاد مستقلة حتى الآن، بل
هم منتشرون في كل صقع وتحت كل نجم، ففي قطر طائفة منهم
"
وفي أبوظبي بقية منهم تسكن قرية البطين ومنهم من يعيش في دبي والشارقة وعجمان ورأس الخيمة والبحرين، ولا أظن أن بلاداً من بلاد العرب تخلو منهم، ولكنهم يُحكمون ولا يحكمون، وفيهم خصال حميدة وكرم ووفاء وشجاعة وخلق، وسيأتي ذلك مفصلاً في موضعه إن شاء
الله
هذا
وبعد أن قتل السودان رئيسهم، وهو رئيس القبائل أجمع، ماجت القبائل في بعضها البعض، وكادت أن تعم الفوضى بين القبائل ولكن عقلاء القوم تداركوا المسألة وقرروا أن تكون الرئاسة على الجميع في آل نهيان فرضي الجميع ذلك، وكان أول حاكم منهم محمد بن زايد، وقد لبث في الحكم مدة ثم قُتِلَ، ولم تصلنا أخبار تدل على كيفية قتله ولا على السبب الذي أدى إليه، وقد نزح أولاده بعد ذلك إلى الشارقة، وإلى الآن توجد في الشارقة في مواجهة الحصن الكبير بقايا نخل تعرف ببيت محمد بن زايد وبيت على ساحل البحر في حارة السودان يعرف ببيت أولاد محمد بن زايد، وقد خَلَف محمد بن زايد في الحكم أخوه سيف بن زايد وقتل هو أيضاً، ولم يصلنا شيء عن الذي قتله (6)، إلا أن الذي حكم بعده هو الشيخ شخبوط، وقد حكم مدة طويلة لم ينازعه فيها احد إلى أن بلغ من العمر عتيا فاعتزل الحكم وسلّم الأمور إلى ابنه الشيخ طحنون فحكم هذا حكماً قاسياً هابته الجماعة وأذعنوا لأمره ومن جملة أحكامه أنه حكم على أخيه الشيخ خليفه بن شخبوط أن لا يحمل السلاح ما دام في البلاد ولكنه سمع ذات يوم صوت طلقات نارية تطلق في ظاهر البلد فاستفسر عن
مصدرها فأخبر بأن أخاه الشيخ خليفه يصطاد الطيور، فلم يعجبه
ه (8)
ذلك وأرسل إلى خليفه يأمره بأن لا يبقى في البلاد، ولما عاد خليفه إلى البيت وجد والده يجهش بالبكاء، فسأله عن سبب بكائه فأخبره بأن أخاه قد أمر بابعاده عن البلاد، فقال لوالده، فما رأيت فيه؟ قال: ليس عندي رأي، إنما أنت رجل وتستطيع أن تدبر أمرك بنفسك، فقرر حينئذ قتل أخيه فقتل وقيل إن السبب فيما حصل بين طحنون وخليفه هو الشيخ مكتوم بن بطي جد آل أبي فلاسة وقد كان من المقربين إلى طحنون ودبر هذه المكيدة لينال بغيته، وتم له ما أراد إذ ما إن رأى خليفه يذهب إلى الحصن ليتسلمه بعد قتله أخاه وما إن رأى الناس منهمكين في أخبار القتل حتى تسلل الشيخ مكتوم بن بطي إلى طحنون وهو مسجى واستل الخاتم من يده وكتب مكتوباً إلى سلطان بن دلموك الحاكم في دبي من قبل طحنون يأمره بتسليم البلد (دبي) إلى مكتوم بن بطي والتوجه إلى أبوظبي حالاً وختمه بختم طحنون، وبعد صلاة المغرب ركب هو وقومه آل أبي فلاسة وتوجهوا إلى دبي، فوصلها وسلّم الكتاب إلى سلطان واستحثه على السفر، فسافر، ولما وصل إلى أبوظبي علم بالحال التي جرت وأن الحيلة قد تمت عليه، ولما عاتبه خليفة بن شخبوط، ناوله الكتاب الذي أتى به مكتوم، فاستشاط غضباً وغيظاً وحلف ليفعلن ويفعلن (9). أما مكتوم فعلم أن لا طاقة له بمقاومة آل نهيان فلجأ إلى الشيخ سلطان بن صقر وسلّم له البلاد على أن تكون ولايتها له ولعقبه من بعده على أن يقوم الشيخ سلطان بن صقر بالدفاع عن البلدة وحراستها، ومما قاله مكتوم: «إنني ولدك الذي لم تلده أمك، وسيف مشهر على أعدائك فلا تدعني وأمري»
-19 -