الجواهر والالئ في تاريخ عمان الشمالي
الجزء ١ · صفحة ١٧وسلمها لهم بغير قيد أو شرط، لكن الإمام قدر تلك البطولة حق قدرها وأعطى تلك الشهامة حقها
"
والقصة هي أن الإمام فيصل كان قد أرسل سرية إلى عُمان، فكمن لها سعيد في الطريق على مورد ماء يسمى (العانجه) فقتل من قتل، وأسر من أسر ولم ينج منهم إلا القليل فحنق عليه الإمام وخرج على رأس جيش يقوده وابنه عبد الله ونزل بقصر البدع المعروف في بر قطر وهم بالهجوم على البحرين وأعد السفن لذلك. لكن أهل البحرين استنجدوا بسعيد بن طحنون، فذهب في سبع سفن مشحونة بالرجال والعتاد، فما إن وصل وراء جموع الإمام فيصل حتى هاله الأمر وعلم أن لا طاقة له بهم فقاد نفسه إلى الإمام، ولما رست سفنه أرسل إلى الإمام فيصل من يقول له: (إنني جئتك على الحسناء والسائد فأرسل الإمام فيصل من يستقبله، ولما وصل رُسُلُ الإمام فيصل، أراد أبناء عمه واخوته أن يبقوا عندهم أحداً من جماعة الإمام فيصل كرهينة حتى يرجع سنعيد، فأبى هو وذهب من غير قيد أو شرط فاستقبله الإمام بالإكرام والاحترام ورفع منزلته واعترف هو بكل ما جرى، فعفا عنه وأعطاه من الهدايا ما لا يُحصى، فتقبل ذلك شاكراً وطلب من الإمام أن يأذن له بالتوسط بالصلح بينه وبين آل خليفة حكام البحرين، فأذن له وأبرم الأمر وتم الصلح، وعندما أدرك أن جيش الإمام لا يتوقف حتى يدخل عُمان، طلب منه التوسط بينه وبين آل بوسعيد فجد واجتهد وقام بالواجب وعقد الصلح بين آل سعود وآل بوسعيد، وفرض عليهم أن يدفعوا راتباً سنوياً لآل سعود فقبلوا ذلك ودفعوه طائعين، وعلى إثر ذلك ارتفعت منزلته عند الإمام فيصل وأجرى له راتباً سنوياً يُدفع له من بيت مال القطيف، كما أن آل بوسعيد قرروا له راتباً سنوياً يدفعونه له
كما يدفعون لآل سعود، وهكذا ظل الدفع مستمراً في أيام الشيخ زايد بن خليفة ولم ينقطع إلا بعد وفاته (19)
وهكذا ظل الشيخ سعيد بن طحنون يتدرج في مراقي العز والإقبال إلى أن أفل نجمه واسلمه القضاء والقدر إلى ما كتب عليه في الأزل كما قال الله تعالى: (وتلك الأيام نداولها بين الناس» فبينما كان يترفل فيما ذكر من العزة والمنعة، إذ حدث حادث وهو أن رجلاً قتل أخاه خطأ، فجاء والده ووالدته إلى الشيخ سعيد بن طحنون وأخبراه بما وقع وطلبا منه أن يقبل منهما ما كان يُدفعُ عادة وهو ما يسمى عندهم المحتشم) ويترك لهما وحيدهما ليستعيضا به عن أخيه ويعولهما لأنهما قد شاخا ولا عائل لهما إلا الله، فلم يقبل وبعد إلحاح منهما عرضا عليه جميع ما يملكانه من الحلال من ذهب وإبل وغيرها مقابل أن يعتق لهما ابنهما، فوعدهما بالعفو عنه إذا ما وصل اليه، فصدقا الوعد وجاءا بالولد، بينما جلس والده ووالدته ينتظرانه ثم أدخل ابنهما على سعيد من باب آخر، وقُتِلَ ثم أذن لوالديه بالخروج فخرجا وفوجئا بولدهما وقد قتل فرفعا أيديهما إلى السماء ودعوا الله وبكيا بكاءً طويلاً، وحمل الولد إلى مقره الأخير
وكانت تلك الدعوات قد صعدت واخترقت الفضاء وفتحت لها أبواب السماء، إذ لم يلبث سعيد بن طحنون بعد ذلك في الحكم إلا مدة يسيرة حتى اختل بعدها عقله وأصيب بالوسواس وأخذ يفزع ويرى الولد وكأنه قتله، يريد فاحتجب عن الظهور وأخفى أخوته الأمر عن الجماعة وأشاعوا أنه مريض، ولم يدعوا أحداً يتصل به من الزائرين، ولكنه لم يستطع صبراً على ذلك فقرر أن يسافر إلى جزيرة قيس لكي يروح خاطره ويستعيد راحته، وكان قد جمع أموالاً طائلة من الذهب
- TV-
-26 -