الجواهر والالئ في تاريخ عمان الشمالي
الجزء ١ · صفحة ٣٦ويوقعون بالأهالي، حتى قام بنو غافر علي بلعرب وأجبروه على التخلي عن دعواه، فلما اتفقت كلمة العُمانيين، قامت الحملة على الإيرانيين فجلوا عن داخلية البلاد وانتقلوا إلى مدن الساحل
وكان سيف بن سلطان بحاجة إلى مشير يعتمد على رأيه، فأشار الناس عليه برجل من التجار يدعى أحمد بن سعيد البوسعيدي، فأحضره ووجد فيه الكفاءة فولاه الحكم بولاية صحار، وكان ذا لباقة وحنكة استطاع أن يدير صُحار بجدارة إلا أنه كان يضمر في داخله سوء، فقد أعد العدة في الخفاء ثم ثار عام 1150 هجرية على سيف بن سلطان بن مرشد من بني يعرب، فاستغاث الأخير بالعجم مرة ثانية، لكنه لم يبق كثيراً حتى واتته المنية، وجرح من بعده سلطان بن مرشد في حروبه ضد العجم ومات من جراء هذا الجرح، وبذلك صفا الجو لأحمد بن سعيد، فلم يبق له منازع وقد وقع كل ذلك سنة 1154
هجرية.
صرف أحمد بن سعيد بعد ذلك همته لإجلاء العجم من عُمان، وعمل لذلك حيلة فقد دعاهم إلى وليمة في بلدة (بركة)، وأدخل رؤساءهم الحصن وعددهم خمسون فقتلهم عن آخرهم، ونادى المنادي بقتل من كان خارج الحصن، ولم ينج منهم إلا مائتا رجل طلبوا الأمان، ونادوا الأمان الأمان يا أحمد، وقد حملوا بالسفن إلى بندر عباس، لكن سفنهم ما إن وصلت إلى جبل السوادي حتى حرقها العمانيون وبها العجم، وسبحوا إلى البر وتركوا العجم يموتون غرقاً وهكذا ختمت دولة اليعاربة وانتقلت الدولة إلى آل بوسعيد، والله من يشاء (16) يؤتي
الملك
كان أحمد بن سعيد البوسعيدي صاحب همة عالية، بعيد النظر، ثاقب الفكر، تميزه عن غيره جرأتهُ وإقدامه ومضاؤه، وقد أهله كل ذلك ليصبح ملك عُمان، إذ دانت له القبائل أجمع وخمدت نار الفتن، وهدأ بال الشعب، فأخذ يقوم بأمر الدولة، ويُعطي الملك حقه، يدفع بالعجم ويريح الرعية من شرهم، إضافة إلى تجديده الملك وإحكامه التدبير وسنه قوانين مالية وتجارية ونُظماً لأساطيل البحار التجارية والعسكرية. لكن الجو لم يرق له كثيراً، لأنه بينما كان دائباً في تدبير الأمور،
برز بلعرب بن احمد وادعى الولاية والحكم، فجرت بينهما وقائع يطول شرحها وانتهت بقتل بلعرب في خاتمة المعارك سنة 1167 هجرية، ولما استولى العجم على البصرة وكان أحمد بن سعيد يخشاهم لما فعله بهم، أنضم إلى جانب الدولة العثمانية وذهب في عشر سفن حربية وعدد كبير من القوارب حمل عليها عشرة آلاف مقاتل، ولما وصلوا إلى شط العرب وجدوا العجم قد وضعوا سلسلة من الحديد لمنع أسطول عمان من دخول البصرة، فتقدم إليها مركب أحمد بن سعيد المسمى (الرحماني) فقطعها، ودخل الأسطول وهزم الإيرانيون وانتصرت الدولة العثمانية نصراً مؤزراً، وسُرّت بذلك الدولة العثمانية وأجرت لأحمد بن سعيد راتباً سنوياً (17)
وبهذا قويت شوكة أحمد بن سعيد ورجع ظافراً منصوراً وسيطر على المنطقة ودانت له القبائل واستقام ملكه وخذل عدوه، غير أن بلاد الظاهرة ظلت على خلاف مع عُمان الباطنة (18) ومع أحمد بن سعيد، فلم تخضع تماماً لأحمد بن سعيد، وكان علو الكلمة فيها لبني غافر وكانوا يكنون العداء اليعاربة (19)، وكان هوى أحمد بن سعيد باطناً وظاهراً مع بني هناءة، الأمر الذي جعله يقرر قتل رؤساء بني غافر،
178 -