الجواهر والالئ في تاريخ عمان الشمالي
الجزء ١ · صفحة ٦٢ليلة من ليالي رجب 1283 هجرية (1867 م) تسلل إلى أخيه وقتله ر بمساعدة أحد عبيده وأولئك الأشقياء الذين زينوا له ذلك ((21)
وقد كان بينه وبين حسن بن عبدالله المدفع التاجر الشهير بالشارقة صداقة وأخوة متينة، وحالما قبض البلاد أرسل إليه رسولاً يقول له إن بضاعتنا ردت إلينا، حيث سرى الرسول في تلك الليلة ووصل إلى حسن بن عبدالله المدفع قبل الفجر، وكان للمذكور عادة. هي أنه يتهجد آخر الليل، وبينما كان في صلاته وإذا بالرسول يطرق الباب ويناديه، فاستمع للرسول وإذا هو يقول إن الشيخ أحمد بن عبدالله يسلّم عليك ويقول لك بضاعتنا ردت إلينا، ويطلب منك دلة القهوة، وهذه إشارة منه بأن الأمر قد قضى، والأمن قد استتب في البلاد، فأمر الخادم بإعطائه الدلة، وكانت قد أعدت ليتناولها بعد فراغه من الصلاة وقبل أن يذهب إلى المجلس، فتناولها الرسول وانطلق يعدو إذ كان يعد من العدائين، فلم يكد الشيخ يجلس بعد طلوع الشمس، وتجتمع عنده الجماعة لأخذ البيعة إلا والقهوة المعمولة بالشارقة تسكب في أم القيوين
حكم الشيخ أحمد بن عبدالله حكماً قاسياً في البلاد ولكنه عادل، وهكذا جرت العادة أن كل حاكم يحكم بعد قتل، لا يرى لأحد عليه فضلاً ليشاوره أو يناظره، وهكذا ظل الشيخ أحمد بن عبدالله طيلة حكمه، إلا أنه لم يخرج عن حدود الشرع، وكان شديداً في ديانته بعقيدته السلفية، حيث وقف عند حكم القرآن. ومما يُروى عنه أنه ضرب رجلاً ضرباً شديداً، وبرك على صدره فلم يجسر أحد من الحاضرين أن يشفع له، وفي أثناء ذلك قدم الشيخ علي بن نفيسه من علماء نجد المقيمين في البلاد فتلا قوله تعالى: «وإذا
متمسكاً
بطشتُم بطشتُم جبارين». فلم يكد يسمعها حتى ترك الرجل وقام عنه وله مواقف كثيرة في الرجوع إلى الحق، ومن عاداته المستحسنة
أنه كان يتولى تنظيف المسجد كل جمعة بنفسه، ولما قيل له إن الخدم والجماعة يكفونك ذلك، قال: «إن هذا مهور حور العين»
وكان ملازماً لصلاة الجماعة في المسجد، ومناقبه في هذا الباب كثيرة لا يمكن حصرها واستقصاؤها، وكان له رجل خاص يستأنس برأيه ويرجع إليه في بعض الأمور.
وقد جمع الشيخ أحمد ثروة طائلة وبنى السفن الكبيرة وغرس النخيل، وكان وحيداً في زمانه في السياسة والتدبير، ولعب دوراً هاماً في هذا المضمار، ومن حسن سياسته أنه عندما أراد حفر الفلج علم أن القواسم لا يسمحون بذلك، وأنهم سيقاومونه، وليس له قوة على مقاومتهم، لذلك اتخذ له يداً عند الشيخ زايد بن خليفه وانضم إلى حلف بني ياس ليقوي جانبه، وهكذا ظلت هذه الصداقة والرابطة متينة بين الطرفين إلى يومنا هذا، ومع ما حصل من خلاف بين الشيخ راشد بن أحمد وبعض آل بوفلاح مما سيأتي تفصيله، فقد عادت الأمور بعد الصلح الذي وقع بينهما أقوى مما كانت عليه سابقاً لا سيما في زمن الشيخ حمدان بن زايد، وقد عاش الشيخ أحمد بن عبدالله طيلة حياته في عز وشرف وهيبة وعدل وأمن منقطع النظير، وأحبه قومه حباً جماً وأطاعوه طاعة عمياء وخدموه بأموالهم وأنفسهم، وفي آخر أيامه عندما بلغ من العمر عتيا تخلى عن الحكم لابنه راشد بن أحمد (22) حكم راشد بن أحمد حكماً طبق ما حكم به والده وما امتاز به من الخصال الحميدة، وزاد على ذلك قوة اقتضتها الظروف وتطور الأحوال
-118 -
-11 -