الجواهر واللآلئ في تاريخ عمان الشمالي عبد الله بن صالح المطوع

الجواهر والالئ في تاريخ عمان الشمالي

الجزء ١ · صفحة ٧

القوي وفيه الضعيف، ينضم الضعيف إلى القوي أو يحتوي القوي الضعيف، وقد ينفصل هذا عن ذاك لينضم إلى آخر أو آخرين يحققون له مصالحه، فكل الشعوب وكل المجتمعات وكل الأمم تعيش في مذاهب وعقائد متناحرة، تُقسم الأفراد والجماعات وتوجههم وجهات متباعدة وتنمي في نفوسهم ولاءات متنافرة وتدفعهم إلى التخاصم والتنازع.

وهذا ما ينطبق على تفسير الأحداث التي ذكرها المؤلف في كتابه فالأحداث العنيفة فيه أمر طبيعي للإنقسام الحزبي السياسي القبلي، الممثل بالغافرية والهنائية

(

وهو خلاف قديم، أججته وبعثته من جديد النشاطات السعودية داخل عمان والتي كانت تمر عبر أراضي الإمارات، فانقسم الناس إلى حزب هنائي مؤيد للسلطة في عُمان، وحزب غافري معارض لها ويستند في تحركاته على دعم من السعودية، فكانت الحصيلة الأولى لذلك الإنقسام السياسي أن تزعم القواسم الحلف الغافري في الإمارات الذي ضم معه إمارات الشارقة وعجمان وأم القيوين ورأس الخيمة وإمارة الفجيرة لفترة قصيرة، كما تزعم بنو ياس الحلف الهنائي الذي ضم إمارتي أبوظبي ودبي ثم التحقت به الفجيرة

ولكي نفهم عوامل ذلك الإنقسام السياسي، يجب ألا ننظر إليه بالمنظار السياسي في يومنا هذا، كذلك يجب ألا نقيسه بعوامل سياسية متشابهة في أقطار عربية أخرى، ذلك أن طبيعة التركيبة السكانية لمجتمع الإمارات أضفت عصبية قبلية على عوامله، وراحت تلك العصبية تمارس فعالياتها بشكل سافر حيناً أو مستتر وراء تيارات مذهبية واجتماعية متصارعة حيناً آخر، وقد أدت تلك العصبية إلى نشوء وحدات قتالية شديدة البأس من قبائل مكونة من أفخاذ وبطون

تجمعهم قيم التضامن والتماسك الداخلي تجاه تحديات الحياة

ومخاطرها ومهمات تأمين المعيشة في بيئة قاسية في برها وبحرها كما أنه ليس غريباً أن تجد في تاريخ الإمارات نزاعاً أو خصاماً يشب بين المتحالفين أنفسهم، خاصة إذا ما ظهرت مجموعة من الإختلافات والتناقضات في البيئة الاجتماعية

لذلك فقد تعرض الحلف الهنائي إلى هزة بالتصدع الذي حصل عند بني ياس عام 1833 م بانفصال ألبو فلاسه وتأسيسهم إمارة مستقلة بهم على خور دبي، أعقبه في العام نفسه محاولة القبيسات الانفصال وتأسيس إمارة مستقلة في خور العديد

كما تعرض الحلف الغافري إلى التصدع بانفصال الشوامس عن أبناء عمهم النعيم في إمارة عجمان، ورفض إمارة أم القيوين التسليم المطلق لسلطة القواسم، ثم الاختلاف الذي حصل بين القواسم أنفسهم بانفصال إمارة رأس الخيمة عن الشارقة مما دفع بإمارة الفجيرة لأن تعلن استقلالها عن السلطة القاسمية

هذا علاوة على الانقلابات المتكررة بين أفراد الأسرة أو القبيلة الحاكمة في كل إمارة، وتني انقلابات لا يمكن إصدار أحكام سريعة عليها، فإن سلوك العنف قد يكون شرعياً بالنسبة للممارسين له وغير شرعي بالنسبة إلى المستهدفين له، وهذ أمور إنسانية لا يمكن حصرها بشعب دون آخر وتحدث نتيجةً لما جبل عليه الخلق من شهوة التملك ونزعة الأثرة فالإنسان خلقه الله تعالى إذا مسه الشر جزوعاً وإذا مسه الخير منوعاً وأن سنن وقوانين المجتمع لا يمكن أن تظهر بدون صراع قوله تعالى: ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت

-9 -

-^-