مذكرات الشيخ أحمد بن محمد الحارثي أحمد بن محمد الحارثي

الشيخ الأمير أحمد بن محمد الحارثي

الجزء ١ · صفحة ٣٦

ليست لك رخصة في الخروج، قلت له إن شاء الله. بقيت هكذا شهراً، وكان خلال هذا الشهر يمدنا العميري بالأكل من بيته حيث كان يغامر بنفسه، وكانت المرقة تندحق في ثيابه على الله عنا وعنه وجزاه الله أفضل جزاء. عاد السلطان من ظفار وبقي في مسقط، وبعد ثلاثة أيام حملنا إلى ظفار وسجنونا في المعمورة ومعنا البلوش ( ..... ) وكانوا خمسة وثلاثين بلشيّاً الذين وجدنا منهم كل الأذى، بقينا ستة وسبعين ساعة بدون أكل إلا ماءً حاراً، وكان هناك من جملة الحرس يقال له مسعود، ما أحفظ اسم أبيه قال سأجيئ لكم بقرون موز وفيفاية واحدة، شريطة ألا تخبروا أحد، قلت له: "متجمّل"،، بقينا نقتات تلك الفيفاية والموز طيلة الست وسبعين ساعة، ثم وصلني فورد القائد البريطاني، وقال أنه الحاكم العسكري في المنطقة، وأنك تعد نفسك سجيناً، قلت له إن شاء الله. وكان من جملة أذية أولئك البلوش أننا ندخل بعد المغرب في حجرة فيها نافذتين، وكل نافذة يستبدل فيها عسكري بعد ساعة، فهذا يتبدّل مثلاً في النصف الأول من الساعة، وهذا يتبدّل في النصف الثاني، ويكون كل ليلنا لا ننام فيه أبدا، ومن أذيتهم أيضا أنه كان هناك سراجاً متقداً مضيئاً دائماً طول الليل، ففي يوم تعبنا من البعوض وغمضناه قليلاً، فجاء الحراس إلينا بغضب وشراسة وقالوا: "هل لكم نيّة في الهرب"، قلنا لهم: "لا ولكن هذا السراج أغمضناه لشدة البعوض"، قالوا: "لا" يمكن اجلسوا ببعوضكم"، وبعد الست وسبعين ساعة وصلنا طبيب ودخل معنا ورأى حالتنا، وقال: "إنني أرى حالتكم غير طيبة، فأخبرناه بأننا لم نتذوّق شيئاً خلال الست وسبعين ساعة التي قضيناها في السجن، فنادى كبير العسكر وقال له: "لماذا لم تطعموهم؟! "،فقال": "هذا ما أمرنا به الكابتن البريطاني "، فجيء لنا بالأكل، ذلك الأكل الكسيف فامتنع من دخوله حلوقنا، وفي اليوم الثاني كانوا يحضرون الأكل لنا بين الحين والآخر متى أحبّوا، فبقينا على هذه الحالة ثلاثة أشهر وعشرة أيام، جوع وتعذيب وأنواع من النكال، إنني أنزّه نفسي

عن التحدّث عنها.

36