المدرسة الإباضية في الدراسات الإيطالية
الجزء ١ · صفحة ١٣٤مقدمة
(409
وهو أن يبطل الإحساس بالألم لاستغراق القلب بالحب.
وهو الرضى بقضاء الله. وقدره، والصبر على بلائه.
ومن
أمثلة الإحساس بالألم، والرضى بقضاء الله ما رواه بشر، حيث قال: قصدت عبدان في بدأتي، فإذا رجل أعمى، مجذوم، مجنون، قد صرع، والنمل يأكله، فرفعت رأسه، فوضعته في حجري ولما أفاق قال من هذا الفضولي الذي يدخل بيني وبين ربي، لو قطعني إربا إربا ما ازددت إلا حبا.
ولا يمكن لنا من خلال ما تقدم في كتب الإباضية إلا القول إن معظم هذه المفاهيم صوفية، ولا يخفى ذلك، فجميع هذه الأقاصيص مبثوثة في كتب الصوفية، وقد استشهد الشيخ اطفيش
كثيرا بأقوال الصوفية دون نقد أو تعليق بل بالعكس يثبتها إثباتا بما يدل على إقراره لها.
لكن يظهر جليا أن الحب المراد هنا في كتب الإباضية على حسب ما اطلعنا عليه لا يتعلق بذات الله تعالى، له كما هو الشأن لكثير من الصوفية الذين بلغوا الفناء حتى لا يكاد لسانهم ينطق إلا بلفظ الجلالة وهو الله، فإذا قلت له: من أنت؟ قال الله، فهو في درجة. من الفناء لا يرى في الوجود إلا الله، ولا يرى الرضى إلا في الله. (410)
وبلغ السري السقطي درجة عالية من الحب الإلهي، ووصل إلى الفناء، وكان لا يشعر بالألم
حتى التصق جلده بعظمه وأنشد يقول:
ولما ادعيت الحب قالت كذبتني
(409) المرجع نفسه، 108/ 10.
فمالي أرى الأعضاء منك كواسيا
(410) ولعل أغلب الذين اتهموا بعض أعلام الصوفية بالخروج عن الدين من هذا الباب، وقد ذهب بعض المفكرين إلى أن الحلاج (الذي قتل سنة 309 هـ) كان ضحية لسوء الفهم، فعندما سئل مثلا، من أ أنت؟ فقال الله، فلا يصدر هذا
القول إلا كان من في فناء عند بعض الصوفية، فلسانه في هذا الحالة لا ينطق إلا بذكر الله، وإذا كان كذلك فلا يلام، إذ المقصد واضح على حد قول البعض، بل هو المطلوب في الإسلام ذلك أن حياتنا إنما هي وبالله.
الله وفي الله
إما إذا كان المراد به التأثر بالمسيحية من حلول اللاهوت في الناسوت فهو الكفر عينه، فهو تأثر واضح بالأفكار المسيحية، كما هو مذهب بعض المدارس الصوفية التي برزت في مناطق الفرس والتي لم تزل متشبثة بموروثاتها الثقافية
والدينية.