المدرسة الإباضية في الدراسات الإيطالية
الجزء ١ · صفحة ٥٩مقدمة
4 - لمحة تاريخية عن جبل نفوسة:
تعتبر
شمال إفريقيا بعد عهد الفتوحات قبلة الحركات المعارضة والمناوئة للحكم في ذلك الوقت، وذلك لما تكتسي هذه المناطق من مميزات خاصة منها:
1 - التباين الثقافي عن المشرق الناتج عن اختلاف الشعوب، إذ المغرب تسكنها قبائل بربرية.
2 - البعد عن عاصمة السلطة الحاكمة مما أدى بتلك الدول عن عجزها لبسط نفوذها في تلك الأرجاء، واعتبارها في أغلب الأحيان مناطق متمردة وخارجة عن الطاعة، وهذا ما أدى كما ذكر سابقا إلى استغلالها من قبل الحركات والمذاهب المضطهدة، لتكون ملاذا لها ومركزا لبناء قوتها وتنمية نفوذها. فأول من قصد جبل نفوسة في بداية القرن الثاني الهجري/ الثامن الميلادي، سلمة وعكرمة، الأول كان إباضيا والثاني كان يدعو إلى الصفرية (128)، وكانت أول دولة قامت على
(130)
سعد بن
(129)
المذهب الإباضي بطرابلس في عهد الإمام أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري سنة 140 هـ / 757 م- معتمدا في ذلك على قبيلة هوارة ونفوسة، فكانت قاعدة المذهب الإباضي وقد عرفت الدولة الرستمية بعد قيامها في المغرب الأوسط سنة 269/ 160 هـ العديد من الانقسامات وتكون الفرق) وساهم هذا في إثراء الساحة الثقافية من خلال المناقشات والمجدالات. ومما زاد الجو العلمي نماء هو إطلاق العنان للحريات للفرق المخالفة لتوجه الحكم الديني، منها المعتزلة والمالكية والصفرية والنكارية، بل حتى الأديان الأخرى كالمسيحية واليهودية، و لم تفرض الدولة نمطا واحدا عليهم بالرغم من أن الحكم كان إباضيا، وهذا مما ساهم في الازدهار
الثقافي، وتنوع الحركة العلمية بتاهرت (131) وتُوِّج ذلك ببناء المكتبة الشهيرة المعصومة، والتي
(128) تذكر كتب السير الإباضية أن أول من جاء المغرب لنشر المذهب الإباضي هو سلمة بن سعد، وقد جاء مع عكرمة على بعير واحد، وهذا الأخير كان يدعو لمذهب الصفري، فقصدا القيروان أين كانا يدعوان فيه إلى المذهب، ووجد بعض الآذان الصاغية منهم عبد الرحمن بن رستم الذي نصحه للذهاب إلى البصرة لتلقي مبادئ المذهب على يد
سلمة
إمامها يد أبو عبيدة. طبقات المشائخ، 12.
(129) الخوارج في بلاد المغرب، إسماعيل عبد الرازق، 86.
(130) ومن هذه الفرق ما كان في عصر الجنَّاونّي: ومنها الفرقة النفاثية في قنطرارة وتقع في شرق جبل نفوسة، ومنها الخلفية في طرابلس والنكارية في بلاد الجريد ، Lewiciki: Le subdivisions de l'Ibadiyya dans
(1958)، 71 - 82.
(131) لم تجن الدولة الرستمية لهذا الانفتاح فقط جوانبه الإيجابية بل عانت أحيانا كثيرا من سلبياته من جراء تنامي الحركات المعارضة منها المعتزلة التي أحدثت لها قلقا من خلال عقائدها بما كانت تعقده من مناظرات وجدالات، بل حتى إشعالها