دراسات شمال إفريقيةi
الجزء ١ · صفحة ٣٩ولقد انكشفت بوضوح الميول الانفصالية للقبائل المستقرة بأحواز مدينة تيهرت على عهد الإمام أفلح، نجل وخلف الإمام عبد الوهاب. وحسب ما أورده ابن الصغير، فإن هذه القبائل اعتباراً لغناها وقوتها، فإنها أظهرت قدراً من الكبرياء، على عكس سكان العاصمة، حتى أن أفلح تخوف من تحالف محتمل لاقتلاع مقاليد الحكم منه، لهذا عكف على زرع الشقاق بين صفوف القبائل القريبة من بعضها البعض. وقد أفضى التهييج بين لواتة وزناتة وبين ولواتة ومطماطة إلى انفصام. مما فسح المجال لصراعات بين القبائل، ومنذ ذلك الحين، سعت كل قبيلة إلى محاباة الإمام خشية دعمه لغريمتها(1).
ولا ريب أن هذه السياسة النفعية، قد سمحت لأفلح الحد ولو لوقت وجيز من غطرسة وقوة القبائل الأمازيغية التي تقطن بأحواز تيهرت، مركز الدولة من جهة الشرق، وليس غريباً طيلة حكمه أن تنفصل أجزاء من الأقاليم الشرقية عن الإمام الرستمي، وفي سنة (838-9م)، أقدم الأمير الأغلبي أبو عقال على القيام بعمليات ضد القبائل الأمازيغية - الإباضية الساكنة بجنوب تونس، مما أدى إلى إلحاقها في وقت لاحق بدولة الأغالبة(2).
وحاول خلفه أبو العباس سنة (840/856-7م) نقل حدود دولته إلى الغرب حتى مشارف تيهرت، بأن أسس مدينة العباسية. ولم يتأتى لأفلح صد الخطر الذي يتهدده من جهة الشرق، وإحراق العباسية(3) إلا بفضل دعم أمويو الأندلس له سنة (853-4م).
(1) - المرجع السابق، ص27، ترجمة ص86-87.
(2) - [فورنال]، البربر، ج1، ص507-508؛ [ليفيتسكي]، الإباضيون في تونس في العصر الوسيط، ص6-14، إعتبر الكتاب العرب السنيون ضم الأغالبة لتونس الجنوبية بمثابة إنتصار لجيش أبي عقال على القبائل الأمازيغية المتمردة ضد الأغالبة.
(3) - [فورنال]، البربر، ج1، ص513؛ وراجع كذلك المراجع التي أحال إليها هذا المؤلف.