دراسات في تاريخ عمان
الجزء ١ · صفحة ١٠٧المعتصم العباسي
(28)
إن ما أشرنا اليه يوضح بصورة جليه أن انتشار أهل عُمان تم على نمطين أثنين أولهما الهجرات السلمية ذات الصفة الجماعية والتدريجية والمستمرة المتصلة، ذلك أن هجرات العرب عامة والعُمانيين خاصة التي انطلقت قبل الإسلام شكلت بادرة لانطلاق هجرات أخرى بعد الإسلام، وأن العرب المستقرين القدماء كانوا يساعدون القادمين الجدد، كما وأن الدولة عملت في أوقات عديدة على تشجيع الانتشار والاستقرار في المدن والقرى لنشر الإسلام وتعليم شريعته لسكان البلاد المفتوحة. وقد أوضحت روايات تاريخية عديدة وجود المنابر والمساجد في تلك المدن والقرى. وفي رواية للسهمي في تاريخ (جرجان أن يزيد المهلبي بنى نحو أربعين مسجداً في ذلك الإقليم وقد خصص فصلاً للتحدث عن هذه المساجد وخططها وأشار الى حوالي 25 (خمسة وعشرين) مسجداً منها كانت تعتبر من أشهرها (29). ولا ريب فإن هذه المساجد كانت مركزاً للحياة الثقافية وتعليم القرآن وأصول الدين الإسلامي، لعب العرب المسلمون الأوائل ومنهم أهل عمان دوراً ريادياً فيها.
اما النمط الثاني فهو الفتوحات الإسلامية التي ساعدت على انتشار واستقرار العديد من القبائل العُمانية في أقاليم مختلفة من الدولة الإسلامية اما كمقاتلة في حاميات المدن والأمصار او كمستقرين يعملون في الزراعة والتجارة والحرف او كقراء وفقهاء ومفسرين للقرآن الكريم والشريعة الإسلامية. وكان من طبيعة العربي المسلم وخاصة أهل عُمان وأهل البصرة المتواجدين أصلاً في بيئات بحرية وتجارية تكسب المرء سعة الأفق والمرونة، وكذلك كان من طبيعة العربي عموماً الاختلاط والامتزاج مع السكان المحليين. ومع أن الدولة في البداية حددت هذا الاختلاط بالنسبة للمقاتلة ولأسباب عسكرية وسياسية بحتة ولكن وبمرور الزمن غدا التمازج ظاهرة واضحة. فقد سكن العرب المسلمون مع الأعاجم في المدن والأحياء وتزوجوا من الأعجميات وتلقبوا بالقاب أعجمية ونسبوا أنفسهم الى مدن وأقاليم أعجمية (3). ومع تقادم الوقت صعب التفريق بين العربي وغير العربي في هذه الأقاليم. ومن هنا اعتقد الباحثون المحدثون أن هؤلاء العلماء في الفقه والتفسير والشريعة الإسلامية والذين نقلوا هذه العلوم الدينية الى البلاد المفتوحة هم من العجم، إلا أن التحري في كتب التراجم والطبقات والنسب يثبت عروبتهم التي أهملت عن قصد أو دون قصد ولم يعرفوا في التاريخ الا عن طريق نسبتهم
105