دراسات في تاريخ عمان فاروق عمر فوزي

دراسات في تاريخ عمان

الجزء ١ · صفحة ١١١

والواقعية في المواقف السياسية اللذين أبعداها عن المثالية من جهة والتزمت من جهة أخرى. وكانت الأباضية حركة مخطط لها ودعوة سرية منظمة في مرحلة الكتمان) (4) تتميز بتنظيماتها الدقيقة التي ضمنت لها إمكانيات النجاح كما أثبتته الوقائع التاريخية ثانياً. أما ثالثاً فإن ما مثلته الأباضية من معارضة للأمويين ثم العباسيين كان ضمن مفاهيم ومبادئ وأهداف داخل الإطار الإسلامي الصحيح والقيم العربية الموروثة وهي بهذا تختلف عن تلك الحركات التي تسترت بالإسلام ونشرت عقائد بعيدة عن روحه وعن تراث المجتمع).

(41)

(42)

لقد بدأت الدعوة الاباضية على يد مؤسسها جابر بن زيد (4) الأزدي الجوفي من قبيلة اليحمد العُمانية والذي هاجر الى البصرة واستقر بها، وابتدأ نشاطه الديني والسياسي في تلك المدينة التي لم تكن مصراً وقاعدة للفتوحات الإسلامية فحسب بل مركزاً للنشاط الفكري حيث ازدهرت فيها حركة ثقافية أنتجت المدارس اللغوية والأدبية ومدارس الحديث والتفسير والتاريخ كما نشطت فيها الفرق والتيارات الدينية - السياسية المختلفة وكان لهذه الحركة الفكرية في البصرة أثرها على بقية أقاليم الخليج وذلك لارتباط أهل الخليج بعضهم بالبعض الآخر.

ومما لا ريب فيه فإن نشاط الفرق والدعوات والتيارات وحماسها في نشر مذهبها، ومنها الدعوة الاباضية ساعد على دعم الإسلام ونشر مبادئه في الأقاليم التي حاولت تلك الفرق والدعوات ترسيخ مذهبها فيها، ذلك لأن هذه الفرق كانت تعمل ضمن الإطار الإسلامي الصحيح غير منحرفة عن تعاليمه. ولقد حاول جابر بن زيد الأزدي العماني نشر دعوته في البصرة وفي حضرموت واليمن وفي عُمان وفي المغرب. وكان دور جابر بارزاً في خدمته للعقيدة الإسلامية، فقد كان من فقهاء البصرة البارزين وواحداً من أبرز المراجع الإسلامية في أمور الفقه والفتيا حيث كان الناس يسألونه من داخل البصرة ومن خارجها في أمور دينهم ودنياهم.

إن هذه الصفات الشخصية والعلمية وخاصة ما يتعلق بتضلعه بأمور الدين وإطلاعه الواسع على علم الحديث والتفسير هي التي جعلت القعدة من أهل البصرة يتفقون على اختيار جابر بن زيد لزعامة دعوتهم بعد مقتل أبي بلال مرداس بن أديه التميمي. وكانت خطة جابر بن زيد تؤكد على التنظيم السري والكتمان من أجل الوصول الى الهدف، وقد نجح في خطته هذه الى حد كبير. الا أن جابراً لم يعزل نفسه أو أصحابه عن الناس بل

109