دراسات في تاريخ عمان فاروق عمر فوزي

دراسات في تاريخ عمان

الجزء ١ · صفحة ١٥٢

هذا تفضيل لمنطق الدولة على منطق الدعوة.

لقد كان على الإمامة الأباضية الجديدة وقد استندت في تأسيسها على الأحلاف القبلية. كان عليها أن تتحمل نتائجها وتبعاتها، ففي إمامة محمد بن عبد الله بن أبي عفان (177) - (179 هـ) وهو الإمام الأول واجهت الإمامة الاباضية الثانية مهمة شاقة وصعبة من التكتلات القبلية وقد اعتمد الإمام على أحد القادة المدعو سعيد بن زياد البكري في وضع حد للفتن والاضطرابات القبلية. وقد نجح هذا القائد في إخماد هذه الفتن في المنطقة الشرقية إلا أنه مدفوعاً بدوافع الثأر لبني الحارث الذين أوقع بهم بنو هناءة إبان حكم راشد بن النظر بن الجلندي عام 145 هـ / 762 م انتقم أشد الانتقام من أهل المنطقة الشرقية وقطع نخيلهم ودمر مزروعاتهم. وكان هذا السلوك مجافي لتعاليم الاباضية وقد حمل كبار الدعاة مسؤولية تلك الأعمال للإمام نفسه وقرروا خلعه من

الإمامة (29).

لقد استطاع الأباضية إعادة تأسيس إمامتهم في عُمان في أوج ازدهار الدولة العباسية وفي خلافة هارون الرشيد، ولم ينتظر هذا الخليفة طويلاً فقد أعد في حوالي 179 هـ / 793 م حملة عسكرية بقيادة عيسى بن جعفر بن سليمان العباسي. وهنا دخل 793 م العامل القبلي إلى جانب الإمامة الأباضية حيث تشير الروايات التاريخية أن الصلة بين آل المهلب وأصلهم من أزد عُمان وبين الإمامة الإباضية في عُمان كانت لا تزال قوية ومستمرة فقد كتب " داود بن يزيد المهلبي إلى الإمام وارث بن كعب يخبره أن عيسى وصل بعسكره "، وبهذا كانت الإمامة مستعدة لمواجهة الجيش العباسي واستطاعت أن توقع الهزيمة به (4)، ولم تجرب الدولة العباسية القيام بحملة أخرى على عُمان بعد هذه الهزيمة حتى عام 280 هـ / 893 م حين تدهورت الإمامة بسبب الانقسامات الداخلية تلك الانقسامات التي بدأت فقهية ولكنها انتهت قبلية.

إن مسألة عزل الإمام الصلت بن مالك عن الإمامة سنة 273 هـ / 885 م ترتبت عليها نتائج وخيمة بالنسبة لمستقبل الإمامة الاباضية في عُمان فقد وقف العلماء المعاصرون للأزمة بين مؤيد ومعارض لها والمهم هنا، بقدر تعلق الأمر بموضوع بحثنا فان الاختلافات النظرية بين الفقهاء والعلماء الأباضية ترتب عليها انقسام القوى السياسية والقبلية في الداخل. ولم يفكر العلماء أو رجال الدعوة بمحاولة رأب الصدع مما أتاح المجال للقوى القبلية أن تظهر وبقوة ونفوذ على المسرح السياسي وبتشجيع من رجال