دراسات في تاريخ عمان
الجزء ١ · صفحة ١٩أحرقت في النار التي شبّت أثناء الهجوم (20)
أما وجهة نظر مدرسة نزوة المعتدلة فيمثلها في هذه الفترة أبو سعيد الكدمي (21) وتعتبر كتبه مصادرنا الوحيدة عن تلك الفترة وما قبلها بقليل. ولا بد أن نشير بأن آراءه المعتدلة ساعدت على تكوين ذلك المناخ السياسي المعتدل والمتسم بالتوفيق والمرونة حول الامامة الأباضية وبذلك طويت إلى الأبد تلك المشادة الفكرية حول مسألة عزل الامام الصلت بن مالك. إن وجهة النظر المعتدلة هذه والتي دعى لها أبو سعيد الكدمي وأمثاله هي التي ساعدت على إعادة ظهور الامامة الأباضية بعُمان مرة أخرى في القرن الثامن عشر الميلادي واستمرارها إلى ما بعد منتصف القرن العشرين الميلادي.
ومن المؤسف أن كتابات هؤلاء العلماء تفتقر إلى المادة التاريخية فهي في غالبها ليست تاريخ بل تعالج مسائل في العقائد والفقه وتركز على طبيعة الامام وعلاقته بالأمة وهي كما ذكرنا سابقاً تعكس وجهات النظر المتضاربة حول الموضوع ابتداءً من عزل الامام الصلت. فمثلما كان مقتل عثمان بن عفان بداية المشادة التي أدت إلى انشقاق الأمة في العصر الراشدي فإن عزل الصلت بن مالك أدى إلى انشقاق الشيعة الأباضية إلى كتل مختلفة تمثل وجهات نظر متعارضة حول طبيعة الامامة. وقد استمر علماء الأباضية يكتبون حول تلك المسألة ويطورون آراءهم بين التشدد والاعتدال قروناً عديدة دون أن يمسوا إلا قليلاً حقائق وأحداث تاريخية عن عُمان. بل إن الدكتور ولنكسون (23) يلاحظ بأن كتب التراجم عن سير هؤلاء العلماء ربما تزودنا بمعلومات تاريخية أكثر من
مؤلفاتهم!!
وحين يأتي المؤرخ إلى تاريخ عُمان خلال الفترة النبهانية بين القرن السابع الهجري والتاسع الهجري الثالث عشر الميلادي والقرن الخامس عشر الميلادي لا يجد أي مصدر تاريخي معروف. وليس ذلك بغريب فهؤلاء النبهانية ليسوا أباضية وملوكهم من "الجبابرة" لا يشير إليهم مؤرخو عُمان الإباضية من القرون التالية. ويرى الدكتور ولكنسون (24) أنه لا بد أن يكون قد ظهر بين النبهانية أنفسهم من أرّخ لهم ونجد صدى ذلك في بعض روايات السالمي عن تلك الفترة.
ولقد جرت محاولة فاشلة في القضاء على سلطة النبهانية وإعادة الامامة الأباضية في القرن الخامس عشر الميلادي التاسع الهجري وكانت نتيجتها أن عزز ملوك النبهانية نفوذهم وذلك بالتحالف مع الحساوية من خارج عُمان. إن ذلك التحالف مع كتلة غير
17