سيرة الشيخ العلامة محمد بن شامس البطاشي حارث بن محمد بن شامس البطاشي

سيرة الشيخ محمد بن شامس البطاشي

الجزء ١ · صفحة ١٢١

الصحارى والقفار حيث لا تراه عين ولا تسمع به أذن لأنه يدرك أن العقوبة لاسعة وربما تفضي به إلى الهلاك. وثالثها: أن في الاقتصار على تعزير المرأة العجوز على ضربتين أو ثلاث لحكمة بالغة وهو من وسطية الإسلام واعتداله فإن الشيخ لما علم أن المرأة لا تقوى على الضرب الكثير وأنها ربما تهلك لو ضربها أكثر

مما تطيق عدل عن الضرب الكثير إلى الضرب القليل ولم يعفها من الضرب إطلاقا لأجل أن يوجعها فتزدجر عن العودة إلى فعل المنكر.

قصة المرأة العجوز هذه تذكرني بقصة شبيهة لها في المضمون وصاحبها رجل يسمى بشدر كان يعمل وكيلا عن المدعين وهو المسمى بلغة اليوم محاميا وبحكم عمل بشدر فإنه كان كثير الالتقاء بشيخنا سواء في المحكمة أم في البيت والرجل من ظاهره لا تبدو عليه سمات منكرة والشيخ يحسن الظن فيه إلى أن بدا للشيخ السفر إلى الهند للعلاج ووافق

أن بشدرا كان بالهند للغرض نفسه فلما علم بوجود الشيخ جعل يتردد عليه للعيادة في الفندق ثم أراد الشيخ أن يرد العيادة لبشدر فقصده إلى حيث يقيم في الفندق وسأل عن غرفته ودل عليها فلما وصل الغرفة

وكان الباب مفتوحا قابله بشدر وعود السجائر في فيه وهنا كانت المفاجأة لكلا الرجلين للشيخ الذي لم يكن يتوقع من بشدر هذا الفعل المشين وهو الذي كان يحسن فيه الظن ولبشدر الذي عقدت المفاجأة لسانه وغلت يديه وشلت حركته وأقعدته عاجزا عن الحراك لما يعلم من بغض الشيخ للفعل الذي أتاه. ولما شاهد الشيخ بشدر على تلك الهيئة عاد أدراجه وقفل راجعا من حيث أتى ولم ينبس لبشدر ببنت شفة ولم يعاتبه بكلمه واحدة فضلا عن أن يزجره أما بشدر فإنه أحس بعظم جرمه وبقي متواريا عن نظر الشيخ مدة إقامته في الهند لم يشأ الشيخ رحمه الله أن يظهر غضبه لبشدر ساعة مشاهدته له وهو يدخن السيجارة وإنما ادخر ذلك لوقت آخر ولعله تفرس في بشدر رجوعه إلى الله تعالى بتأنيب الضمير. لقد كان لتلك النظرة الفاحصة من الشيخ وقع السحر في نفس بشدر جعلته في صراع مع نفسه لم يهنأ بلذة الحياة ولم يعرف للطمأنينة طعما أو ذوقا مقدار شهر من الزمان بعد رجوعه إلى عمان. أدرك بشدر أنه أخطأ في حق خالقه وعظم عليه تأنيب ضميره له وتعذيبه إياه لمجرد نظرة بغته بها مخلوق مثله فكيف بخالقه الذي لا تعزب عنه خافية في الأرض ولا في السماء.

121

PDF created with pdfFactory Pro trial version www.pdffactory.com