دلالة النهي على فساد المنهي عنه ونماذج تطبيقية من فقه المعاملات المالية المعاصرة الفارسي، عبد العزيز بن زهير بن حمد

دلالة النهي على فساد المنهي عنه

الجزء ١ · صفحة ١٨

أو نواهي الشارع، ونرى أنّ النّهي الشرعي شامل للقول والفعل والإشارة؛ إلا أنّ الدلالة بهذه الطرق تكون في حق من رأى النبي صلى الله عليه وسلّم وهو يشير أو يفعل، أما غيرهم فإنّ إشارته وفعله صلى الله عليه وسلّم قد نُقلت إليه بالألفاظ؛ إذ وإن كانت دلالتها الأولية من غير اللفظ، إلا أنّ النقل جعل دلالتها للحكم في حق المتلقي بالنقل دلالةً لفظية.

النهي

ونص تعريف ملا خسرو على قيد "جزمًا"، وهو قيد غير دقيق، إذا اقتصر بذلك على المفيد للتحريم، مع أنّ النّهي يشمل ما كان للتحريم وللكراهة، ولعلّه قصد بذلك أنه حقيقة في إفادة التحريم وإفادته للكراهة تكون من باب المجاز، وهذا أيضًا لا يُسوّغ قصر النهي في تعريفه على ما أفاد الجزم، إذ حكم الكراهة من ماهيّته الشرعيّة، وقصر التعريف على جزء الماهية لا يُنتج تعريفا دقيقًا.

أما مسألة قيد الاستعلاء أو العلوّ، فأولا يلزم تعريفهما من حيثُ اللغة على أنهما من الأصل نفسه، قال ابن فارس في مقاييس اللغة: "العين واللام والحرف المعتل ياءً كان أو واوا أو ألفًا، أصل واحد يدل على السمو والارتفاع، … ويقال لكل شيء يعلو: علا يعلو، فإن كان في الرفعة والشرف قيل علي يعلى، ومن قهر أمرًا فقد اعتلاه واستغلى عليه وبه " (?)، والاستعلاء في الخطاب طلب العلوّ فيه، وفيه إشارة إلى أن المستعلي في خطابه لا يُشترط أن يكون واقعا في علو رتبة، بخلاف العالي بنفسه، والذي يوصف بالعلو، فتبيّن أن الاستعلاء صفة للخطاب بأمر أو نهي يجعلها المخاطِبُ فيه، والعلوُّ صفة في المخاطب ذاته (2). فإذا ثبت هذا، علمنا - نتيجة- أنّ درجات الخطاب عند من يشترط الاستعلاء لا تؤثر في تسمية الخطاب نهيًا أو أمرًا، فالمحدّد عندهم هو صبغ الخطاب بصبغة الاستعلاء، فلو صدر خطاب بترك الفعل ممن هو أدنى رتبة إلى الذي أعلى منه على وجه الاستعلاء يُسمّى عندهم نهيًا ولكنّه يُذمّ على ذلك ويوصف بالجهل، ولو صدر خطاب بترك الفعل من الأعلى رتبة إلى الأدنى لا على سبيل الاستعلاء وإنما على سبيل اللين فلا يُسمّى عندهم نهيًا، وعلى هذا المذهب أبو الحسين البصري، وابن قدامة، والآمدي، ومُلا خسرو، والكرماستي، والشوكاني.

(?) ابن فارس مقاييس اللغة: 113/4. (بتصرّف)

(?) القرافي، شرح تنقيح الفصول: ص ???. والنّملة، عبدالكريم بن علي (ت 1435هـ)، إتحافُ ذوي البصائر بشرح روضة الناظر: دار العاصمة، الرياض، ط 1، 1417هـ / 1996م، ج 5 / 183، (بتصرف).

(??)