دلالة النهي على فساد المنهي عنه
الجزء ١ · صفحة ٢٠الخطاب المشتمل على الطلب والخطاب المشتمل على طلب سواء بالإيجاد أو الإعدام
6
يكون عبئًا لو لم يحقق معناه ومقتضاه وهو وجوب الامتثال.
2. أنّ الأمر والنهي الذي يبحثه الأصوليون هو أمر الله ورسوله ونهيهما، ومن ثم فإن دراسة الأمر والنهي تكون على ضوئهما، فهي دراسة وصفية لحالة واقعية وليست افتراضية أو تنظيرية، ووصفُ العلوّ واقع وحاصل في المشرّع والأوامر والنواهي لا تكتسب صفة الحتمية والإلزام إلا بوصف الاستعلاء فيها، وما لم يكن في أي من الأوامر والنواهي وصف الاستعلاء علمنا أنّه لا يُراد بها الإلزام، كأن تكون صادرةً للإرشاد مثلا ويُمثله حديث طلحة "موسى بن عن أبيه، قال: مررتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوم على رؤوس النخل، فقال: «ما يصنع هؤلاء؟» فقالوا: يلقحونه، يجعلون الذكر في الأنثى فيلقح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أظنّ يغني ذلك شيئا» قال: فأُخبروا بذلك فتركوه، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: «إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإني إنما ظننتُ ظَنّا، فلا تؤاخذوني بالظنّ، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئًا، فخذوا به، فإني لن أكذب على الله عزّ وجلّ» " (?) فدلّ عتاب النبي صلى الله عليه وسلّم على أن مثل هذه الأوامر الصادرة عنه يكون المكلّفُ على الاختيار بتقدير المصلحة فيها، وهذا عين عدم الإلزام، كما أنّ مسلم (ت 261هـ) في صحيحه ترجم لهذا الباب بقوله: "باب وجوب امتثال ما قاله شرعًا دون ما ذكره صلى الله عليه وسلّم من معايش الدنيا، على سبيل الرأي" (2).
أن قولهم: إنّ الطلب الصادر من الأدنى إلى الأعلى على سبيل الاستعلاء يُسمّى أمرًا أو نهيًا ولكنّه يُذمّ فاعله ويوصف بالجهل كلام غير دقيق؛ إذا الاستعلاء وصف يلحق الخطاب يُنشئه المخاطب، والاستعلاء يجب أن يكون له مسوّغ لصحة صبغ الخطاب به، ولا مُسوّغ إلا كون المخاطب أعلى رتبة.
(1) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب وجوب امتثال ما قاله شرعًا … ، ح رقم: (2361).
- النيسابوري، مسلم بن الحجاج (ت 261هـ)، صحيح مسلم تح محمد فؤاد عبدالباقي، دار إحياء التراث العربي،
(د. ط/ د. ت)، ج 4 / 1835.
(?) مسلم، صحيح مسلم: 4 / 1835.
(10)