دلالة النهي على فساد المنهي عنه
الجزء ١ · صفحة ٢٥المطلب الرابع: دلالةُ "البطلان":
إن الحديث عن الفساد يَجُرّ لزوما إلى الحديث عن البطلان، إذ هما كما تقدّم معنيان مترادفان الأصوليين، ومعنيان متغايران عند الحنفيّة، وإذا تم بيانُ الفساد يلزم أيضًا بيان البطلان.
عند جمهور
الفرع الأوّلُ: دَلالةُ "البطلان" اللغوية:
قال الفراهيدي في العين: "بَطَلَ الشّيء يَبطُلُ بطلًا، أي ذهب باطلاً، والباطل: نقيضُ الحق،
قال النابغة:
لعمري، وما عمري عليّ بيّن لقد نَطَقَتْ بطلاً علي الأقارع" (?). ويقول ابن منظور: "بَطَلَ الشيءُ يبطل بطلا وبطولا وبطلاناً: ذهب ضياعًا وحُسرًا، وأبطَلَتُ
الشيء: جعلتُهُ باطلا، وأبطَلَ فُلان: جاءَ بكذب وادّعى بطلانًا" (?).
فالباطل إذن يشمل عدةَ معانٍ مثل: الخسران، والضياع، والكذب.
الفرع الثاني: دلالة "البطلان" الاصطلاحية:
تقدّم أن جمهور الأصوليين لا يُفرّقون بين الفساد والبطلان ويعتبرونهما معنيين مترادفين، سواء في العبادات أو المعاملات، وإنّما الحنفيّة هم من فرّقوا بينهما في المعاملات دون العبادات، فجعلوا الفساد مرتبة بين الصحة والبطلان.
وعليه فإننا سنذكر دلالة البطلان الاصطلاحيّة عند الحنفية فقط؛ لأنّ ما تقدّم من تعريف الفساد عند الجمهور هو نفسه تعريف البطلان.
الفساد
إنّ نظرةً أولية إلى تعريف الحنفية للفساد كفيل بإيضاح صورة البطلان أيضًا؛ لأنّه لما كان عندهم هو الجزاء الذي يلحق التصرّف الذي سَلِم أصله واختل وصفه، فإننا نُدرك أنّ البطلان هو الجزاء الذي يلحق التصرف الذي اختل رُكنه، فقد سبق أنّ الفساد يُعد مرتبةً بين الصحة والبطلان والبطلان هو أشدّ الجزاءات بحيث لا يُرتب أي أثر، ويجعل التصرف كأن لم
يكُن.
(?) الفراهيدي، العين: 431/7، مادة (بطل).
(?) ابن منظور، لسان العرب: 443/1، 444، (بتصرف)، مادة (بطل).
(??)