دلالة النهي على فساد المنهي عنه
الجزء ١ · صفحة ٢٩ولمناقشة هذين التعريفين والخلاف، نقول:
1. إن كلا التعريفين كانا من قبيل التعريف بالنتيجة، فعند الفقهاء نتيجة الصحة هي سقوطُ القضاء، وعند المتكلمين نتيجة الصحة هي كونُ الفعل موافقا لشكلية الأمر، وهذا في الواقع تعريف بالرسم، وهو أضعفُ من الحدّ في إبانة المقصود، فهو مأخذ على كلا الطريقين.
وهذا بالنظر إلى ماهية الصحة، ولا يقدح فيه كون الصحة نفسها جزاء ونتيجة للتصرف
الشرعي.
عنه
2. إنّ وصف فعل ما بأنّه مُجرٍ أو موافق لأمره مستلزم أن يكون وفق الشكل الذي حدّد في الأمر وأن لا يخرج وإلا عُد الفعل غير صحيح و ح ولا مجز، والنتيجتان اللتان تقاسمهما كلّ الفقهاء والمتكلمين هما في الحقيقة نتيجتان متلازمتان ولا يتصور انفكاكهما؛ إذ لا من يُمكن أن يُحكم على فعل ما بسقوط القضاء عنه وهو غير موافق لشكلية الأمر، ولا يُمكن
أن يكون السبيل لإسقاط القضاء أو الإجزاء إلا باتباع الشكل الذي قرره الأمرُ.
. يذكر بعض الأصوليين ثمرة الخلافِ فيُمتِّلُ على ذلك بمن صلّى ظانا الطهارة وهو محدث، فعند الفقهاء لا توصف صلاته بأنّها صحيحة لعدم سقوط القضاء، وعند المتكلمين صلاته صحيحة للموافقة الشكليّة قبل أن يتيّقن حدثَه؛ لاعتبار غلبة ظنّه. وعند التحقيق يظهر أن كلا المدرستين يحكمان على من تيقن الحدث بالقضاء، فالخلافُ لفظي، يقول القرافي: "اتفق الفريقان على جميع الأحكام، وإنما الخلافُ في التسمية؛ فاتفقوا على أنه موافق لأمر الله وأنه مثاب، وأنه لا يجب عليه القضاءُ إذا لم يطلع على الحدث، وأنه يجب عليه القضاء إذا اطلع، وإنما اختلفوا في وضع لفظ الصحة هل يضعونه لما وافق الأمر سواء وجب القضاءُ أم لم يجب، أو لما لا يمكن أن يتعقبه قضاء" (?). 4. قالَ ابنُ إمام الكاملية (ت 874هـ) ردًّا على الفقهاء: "ورُدَّ بأنّ القضاء حينئذ لم يجب لعدم الموجب له فكيف سقط؟، وذلك أنّ القضاء إنما يجب بأمرٍ جديد، فإذا أمر الشارع بالعبادة ولم يأمر بقضائها فتأتي بها، فإنها توصف بالإجزاء مع أن القضاء حينئذ لم يجب
(?) القراقي، شرح تنقيح الفصول: ص 76، 77.
(24)