دلالة النهي على فساد المنهي عنه
الجزء ١ · صفحة ٤٢ويُمكن أن يُردّ عليه بأنّ النهي عن شيءٍ مستلزم لتركه، وتركه مستلزم لفعل ضدّ من أضداده، والوجوب في هذه الحالة على سبيل التبادلية لا الاستغراق؛ لأنّه يستحيل أن يوجد أو يفعل الإنسان كل الأضداد في آن واحد.
وقيل:
2. يكون مأمورًا بكل أضداده، ذلك أنّ المكلف لو نهي عن شيءٍ؛ فإنه يكون مأمورًا بفعل ضدّ من أضداده حتى يُسمّى ممثلا، ونسب عبد العزيز البخاري هذا الرأي إلى بعض الحنفية وبعض أصحاب الحديث (?)، ويُصوّرُ لو هي أحدُهم عن القيام؛ فإنّه يكون مأمورًا بكل أضداد القيام من قعود واضطجاع ونوم وغيرها. ومن أوجه استدلالاتهم على هذا الرأي القياسُ على الأمر، فكما أنّ الأمر بشيءٍ نهي عن كل الأضداد، فإنّ النّهي عن شيء كذلك يكون أمرا بكل الأضداد (2). ويُمكن أنْ يُناقش هذا الاستدلال بأنّ الأمر بشيء يستدعي كون المأمور به في حالة وجود، وجعل المأمور به في حالة وجود يقتضي كون جميع أضداده في حالة عدم وإلا وقع التناقض، لذلك ساغ أن يكون الأمرُ بشيء نهي عن كلّ أضداده، أما النهي فإنّه يستدعي إبقاء المنهي عنه في حالة عدم، وتحقق هذه الحالة مرهون بفعل ضدّ واحد من أضداده لا كُلّها. فالحالة الوجودية مرهونة بعدم كل الأضداد، والحالة العدمية مرهونة بوجود ضدّ من الأضداد على أقل تقدير على التبادل.
وقيل:
. يكون مأمورًا بضدّ واحدٍ من الأضداد، فنهي الله تعالى عن أكل الميتة أمر بأكل أضدادها من المأكولات الأخرى التي لم تُحرّم على سبيل التبادلية لا دفعةً واحدة، وهو رأي جمهور الأصوليين
القائلين بأن النهي عن شيء أمر بضده (?) وهو الرأي المختار. ومجمل أدلة أصحاب هذا الرأي أن النهي عن شيء يستلزم تركه، ولا يصح الترك إلا بفعل ضدّ من أضداده.
(?) عبدالعزيز البخاري، كشف الأسرار: ?/ ???
(?) يُنظر: عبدالعزيز البخاري، كشف الأسرار: ???/?
(?) الجويني، عبدالملك بن عبدالله (ت 478هـ)، البرهان في أصول الفقه تح: صلاح بن محمد بن عويضة، دار الكتب
العلمية، ط 1، 1418هـ / ????م، ج? / ?? وعبدالعزيز البخاري، كشف الأسرار: 2/ 329.
(??)