دلالة النهي على فساد المنهي عنه
الجزء ١ · صفحة ٤٣الفرع الثاني: النهي عن شيءٍ ليس أمرًا بضده:
وهذا القولُ نُسب إلى بعض أعلام المعتزلة (?)، وهو اختيار الغزالي وابن الحاجب (ت 646هـ) وعضد الدين الإيجي (ت 756هـ) (2)، وظاهر رأيهم أنّ الأمر بالضد يكون بدليل خارجي وليس من ذاتِ صيغة النهي.
ومما استدلوا به على رأيهم أن قول الناهي لا تقم لا يفيدُ إلا نفي القيام، وفعل ما عداه من الأضداد يقعُ من ضرورة الجبلة لا لكونه مقصودًا بالنّهي، بدليل جواز تقدير ذهول الناهي
أضداده" (?).
عن
جملة
ويُمكن أن يناقش هذا الاستدلال بأنّ الأمر بالضدّ ليس متوجّهًا إلى أضداد بعينها، وإنما هو أمر بكل الأضدادِ على سبيل التبادلية، وهذا لا مناص منه، إذ ترك المنهي عنه لا يكون إلا بالاشتغال بأحد أضداده، وكون هذا الاشتغال بدافع الجبلة لا ينافي كونه مستفادًا من النهي؛ لأننا لسنا أمام حالةٍ نظريّة افتراضيّة، فالإنسانُ المكلف لا يتصوّر إلا أن يشتغل بشيء، سواء أكان فيُؤثم، أم بأحد أضداده فيُؤجر.
الاشتغال بالمنهي
عنه
المطلَبُ الثَّانِي: أَثَرُ النَّهي في المنهي عنه من حيثُ أنواعه: إن استقراء بسيطًا للمنهيّاتِ يُعلِمُنا أنّ النّهي المطلَقَ (4) قد توجّه إلى نوعين من التصرفات؛ نوع أقرّ الشارع قبحه في النفوس فمرتكبه في كل الأحوال آثم ويُطلق عليه التصرف الحسي، ونوع
(?) يُنظر: أبو الحسين البصري، المعتمد: ?/ ?? والسمرقندي، محمد بن أحمد (ت 539هـ)، ميزان الأصول في نتائج العقول: تح: محمد زكي عبدالبر، مطابع الدوحة الحديثة، ط 1، 1404هـ / 1984م، ص 145. (?) يُنظر: الغزالي، محمد بن محمد (ت 505هـ)، المنخول تح محمد حسن هيتو، دار الفكر المعاصر، بيروت، ط3، 1419هـ / 1998م، ص 181. وابن الحاجب، عثمان بن عمرو (ت 646هـ)، منتهى الوصول والأمل في علمي الأصول والجدل دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1405هـ / 1985م، ص 95. وعضد الدين الإيجي، شرح
العضد على مختصر المنتهى: 2/ 524.
(?) الغزالي، المنخول: ص ???، (بتصرف).
(4) النّهي المطلق هو ما كان مُطلقًا عن القرينة الدالة على صرفه إلى المجاز، أو المطلق عن القرينة الدالة على كون المنهي
عنه قبيحًا لعينه أو لغيره.
. يُنظر: عبدالعزيز البخاري، كشف الأسرار: 1/ 257
=
(??)