دلالة النهي على فساد المنهي عنه
الجزء ١ · صفحة ٤٤قد أضاف الشارع عليه المشروعيّة فأصبحَ في أصله مشروعًا يُؤجَرُ المكلّف على فعله ويُطلق عليه
التصرّف الشرعي، وفيما يأتي بيانُ هذين النوعين وأثر النهي فيهما:
الفرْعُ الأوّلُ: الفرْقُ بين الفِعل الحسي والتصرف الشرعي:
ذكر الأصوليون عدّة اعتباراتٍ في التفريق بين الفعل الحسّي والتصرّف الشرعي، منها: الاعتبار الأوّل: بين هذا الاعتبار النوعين بقوله: "الأفعال الحسّية هي التي تُعرفُ حا ولا يتوقف حصولها وتحققها على الشرع، والتصرفات الشرعية هي التي يتوقف حصولها وتحققها على الشرع" (1). فالفيصك في هذا الاعتبار هو التحقق من الشرع، فالأفعال الحسية مثل الزنا والسرقة والقتل العدوان وغيرها لم يتوقف حصول قبحها على الشرع، وإنما كانت منبوذة قبل وروده؛ لذلك حُرمت في كل الملل. أما التصرّفات الشرعيّة مثل الصلاة والصوم والزكاة وغيرها فلم نعرف مشروعيتها إلا بورود الشرع، وهو الذي رسم لها أركانا وشروطًا وأضاف عليها المشروعيّة. أخذ على هذا الاعتبار بأنّ هناك أفعالا حسية ابتنَتْ على الشرع من حيث تحديد أركانها وشروطها والعقوبات التي تتبعها، وهذا يعني أن الفعل الحسّي كالسرقة مثلا لا يوصف بأنه سرقة ولا يتحقق وجوده الفعلي إلا إذا تحققت فيه الشروط التي راعاها الشرعُ، مثل اشتراط الحرز والنصاب وغيرها (2).
وقد
= ونقولُ إنّ الإطلاق عن القرينة الصارفة إلى المجاز متصوّر، فيحكم على النهي بناء على حقيقته، ولكنّ الإطلاق عن توجّه النهي إلى الذات أو غير الذات غير متصوّر وأحسب أنه تنظير فقط؛ إذ إنّ المناهي الموجودة يتضح متعلّق النهي بها سواء أكان ذاتُ المنهي عنه أم وصف لازم فيه، وهذا عائد إلى التفريق بين الأفعال الحسية والتصرفات الشرعية كما سيأتي بيانه.
(?) عبد العزيز البخاري، كشف الأسرار: 257/1. وذكر أيضًا بنفس المعنى عند: السودوني، قاسم بن قطلوبغا (879هـ)، خلاصة الأفكار شرح مختصر: المنار تح: حافظ ثناء الله الزاهدي، دار ابن حزم، ط 1، 1424هـ / 2003م، ص??. والسغناقي، الحسين بن علي (ت 711هـ)، الكافي شرح البزدوي: تح: فخر الدين سيد محمد قانت، مكتبة الرشد، ط 1، 1422هـ / 2001م، ج ?/ 5??. والأزميري، محمد بن ولي (ت 1165هـ)، حاشيةُ الأزميري على مرآة الأصول: مطبعة محمد البوسنوي، (د. ط)، 1285هـ، ج1/ 322.
(?) يُنظر: الدريني، بحوث مقارنة: 1/ 183.
(??)