دلالة النهي على فساد المنهي عنه
الجزء ١ · صفحة ٤٥الاعتبار الثاني: بيّنَ هذا الاعتبارُ أنّ التصرّف الشرعي هو: "ما تصرّف الشارع فيه بالجواز في
الجملة في غير محل العوارض، مع بيان الشارع لأركانه وشروطه" (1).
والفيصل في هذا الاعتبار هو التصرف ابتداءً بالجواز، أي إضفاء المشروعيّة على الفعل، وهذا في الواقع فرق ظاهر بين الفعل الحسّي والتصرّف الشرعي؛ إذ وإن كان الشرع قد جعل تحقق بعض الأفعال الحسّية منوطًا بشروط قرّرها إلا أنّه لا يعني أنّ الشارع قد تصرف فيها بجعلها مشروعةً،
فيُثاب المكلف على إيجاده؛ إذ لا تلازم بين تصرّف الشارع في الأفعال وبين مشروعيتها. ويبين هذا الاعتبار أيضًا أنّ التصرّفات الشرعية في أصلها مشروعة وجائزة في غير المواضع التي نهى الشارع فيها عنها؛ والنّهي يكون متعلقا إما بركن التصرف أو بوصف لازم فيه أو بوصف مجاورٍ له، وعليه نفهم أنّ في غير هذه المواضع تبقى تلك التصرفات على مشروعيتها.
وهذا الاعتبار أولى بالأخذ من الاعتبار السابق؛ لأنّه بيّن الفرق الجوهري المتعلّق بالمشروعيّة بين النوعين، ولأنّه راعى كون التصرفات الشرعية تختلف جزاءاتُها باختلافِ متعلقاتِ النهي فيها، فليس كل نهي عن تصرف شرعي مزيلًا لمشروعية ذلك التصرف، يقولُ فتحي الدريني: "فإنّ الجزاء ينبغي أن يتقدر بقدر المخالفة، وذلك على ضوء من مقصد الشارع في متعلق النهي أو علّته من جهة، وفيما توخاه من جعل هذه التصرفات وسائل وأسبابًا لغاياتٍ معيّنة مقصودة من شرعها وتنفيذها، وهي مصالح المكلفين من جهة أخرى" (2).
الفرع الثاني: أثر النهي عن الأفعال الحسيّةِ:
عن
حصرنا الحديث في هذا الفرع عن الأفعال الحسيّة؛ لأنّ النهي التصرفات الشرعيّة هو مدار البحث، وسيكون الفصل الثاني متعلقا به.
(?) ابن نجيم، زين الدين بن إبراهيم (ت 970هـ)، مشكاة الأنوار في أصول المنار: دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1422هـ / 2001م، ص 95. والدريني، بحوث مقارنة: 1/ 183، 184.
ويُقصد بالعوارض المواضع التي يرد فيها النهي على التصرف الشرعي، سواء في ركنه أو وصف لازم فيه أو وصفٍ مجاور له. وقيد "مع بيان الشارع لأركانه وشروطه" قيد مهمّ أخرج الأكل والشربَ ونحوها من الأمور التي تصرّف الشارع فيها ابتداءً بالجواز، لكنّها لا توصف بأي وصف جزائي كالصحة أو البطلان أو الفساد إذا فات ركن أو
شرط فيها.
(?) الدريني، بحوث مقارنة: 1/ 184.
(40)