دلالة النهي على فساد المنهي عنه
الجزء ١ · صفحة ٥١النهي
ولم نر أحدًا من الأصوليين الذين أخذوا بهذا القول -ممن اطلعنا على كتبهم- يُمثلون على حالة المطلق إلا العز بن عبد السلام (ت 660هـ)، فقال: "الحال" الرابعة: أن يُنهى عما لا يُعلم أنه لاختلال الشرائط والأركان أو لأمر مجاوز، فهذا أيضا مُقتض للفساد حملا للفظ على الحقيقة، ومثاله نهيه صلى الله عليه وسلم الطعام حتى يُجزئ فيه الصاعان" (?). وللحديثِ الذي ذكره العز بن عبد السلام ألفاظ أخرى جاءت بالمعنى نفسه، منها حديث ابن
عن بيع
هو
عن
عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه" (2). والواقع أنّ نهي النبي صلى الله عليه وسلّم عن بيع الطعام بالكيفية المذكورة ليس نهيًا مُطلَقًا المتعلقِ الذي تعلّق به النهي؛ لأنّ الحديث صرح أنّ المنهي عنه هو بيع الطعام، فالنهي متعلّق بالطعام الذي يُباع دون أن يُكال، والطعام المبيع في هذه الصورة، فالنهي متعلّق بالذات؛ لأنّ المبيع من أركان البيع عند الجمهور وملحق بالركن عند الحنفية. وفي تصوّرنا أنّ إلحاق مثل هذه الفروع ناتج عن عدم التفريق بين متعلق النهي وعلته، فإنّه وإن خفيت العلة في هذا النّهي كما يُصرّح القُطب أطفيش (ت ????هـ) بأنه نهي تعبّدي (?) إلا أنه لا تلازم بين خفاء العلة وخفاء المتعلق.
وهذا لو سلمنا بخفاء العلة؛ لأنه قد وردت رواية أخرجها الشيخان وغيرهما نصت على علة، فقد جاء من طريق ابن عباس رضي الله عنهما: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن
النهي،
(?) السلمي، عبدالعزيز بن عبدالسلام (ت 660هـ)، قواعد الأحكام في مصالح الأنام: مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة، (دط)، 1414هـ / 1991م، ج2/ 26.
(2) أخرجه مالك في الموطأ، كتاب البيوع، باب العينة وما يشبهها، ح رقم: (2356). وأبو داود في سننه، كتاب البيوع، باب بيع الطعام قبل أن يستوفى، ح رقم: (3492).
- المدني، مالك بن أنس (ت ???هـ الموطأ تح محمد مصطفى الأعظمي، مؤسسة زايد بن سلطان آل نهيان، ط 1، 1425هـ / 2004م، ج 4 / 925. السجستاني، سليمان بن الأشعث (ت 275هـ)، سنن أبي داود: تح: شعيب الأرنؤوط، دار الرسالة العالمية، ط 1، 1430هـ / 2009م، ج 5/ 354.
(?) محمد بن يوسف أطفيش (ت ????هـ)، شرح النيل وشفاء العليل مكتبة الإرشاد، جدة، ط3، 1405هـ / 1985م، ج?/ 58.
(46)