دلالة النهي على فساد المنهي عنه
الجزء ١ · صفحة ٥٤هذا
قال الشيرازي: "والمنهي عنه ليس عليه أمره فيجب أن يكون ردا" (1)، فيُفهم من الاستدلال أنّ الردّ في الحديث يعني فساد ذلك العمل وعدم ترتب آثاره. وقال الخطابي (ت ???هـ) في معرض ذكره هذا الحديث: "فيه بيان أن كل شيء نهى عنه صلى الله عليه وسلم من عقد نكاح وبيع وغيرهما من العقود فإنه منقوض مردود؛ لأنّ قوله فهو ردّ يوجب ظاهره إفساده وإبطاله، إلا أن يقوم الدليل على أن المراد به غير الظاهر فيترك الكلام عليه لقيام الدليل فيه والله أعلم" (2).
وهذا الاستدلال عائد إلى القائلين بدلالة الفساد اللغوية؛ لأنّ قوله صلى الله عليه وسلّم "فهو رد" يفيد عدم صحته وقبوله، وهذه من أحكام المأمور به، والمنهي عنه ليس مأمورًا به فكان مردودًا
(?)
وقد اعتُرض على هذا الاستدلال باعتراضات، منها:
التعلّق
1. اعتراض القاضي عبدالجبار (ت 415هـ)، حيثُ قال: "هذا الخبرُ من أخبار الآحاد فلا يصح به في ذلك" (4)، وبنفس المعنى اعترض إمام الحرمين الجويني، فقال: "واعلم أن هذا اعتصام بأخبار الأفراد والمطلب في المسألة القطعُ مع أنه لا معتصم فيه، وأنّ الردّ ينقسم إلى معان وليس من معانيه في إطلاق اللغة وجوبُ إعادة مثله، ولكن من أظهر معانيه أنه لا يقع طاعة وعبادة متقبلة مثابًا عليها، وأقل ما فيه تردّده بين ما قالوه، وبين ما أبديناه، ولا يسوغ الاستدلال بالمحتملات في مسائل القطع" (5).
ولستُ أفهمُ في الواقع هذا الاعتراض، فما الذي يقصدانه بقولهما إن هذه المسألة لا يصح
الاستدلال عليه إلا بالقطعي من الأدلة! فمسائل الأصول من المسائل الظنية التي يسوغ الاستدلالُ
(?) الشيرازي، التبصرة: ص 101.
(?) الخطابي، حمد بن محمد البستي (ت (???هـ)، معالم السنن: المطبعة العلمية، حلب، ط 1، 1351هـ / 1932م،
ج 4 / 299، (بتصرف).
(?) يُنظر: الآمدي، الإحكام: 2 / 190.
(4) البصري، المعتمد: 1/ 175، (بتصرف).
(5) الجويني، التلخيص: 1/ 499.
(49)