دلالة النهي على فساد المنهي عنه
الجزء ١ · صفحة ٦١فيتضح مما سبق أنّ الأمر والنهي ضدّان لا نقيضان، وهذا يعني أن لوازمهما لا تكون على سبيل الحتم مختلفة؛ فاختلافُ اللوازم بشكل كلّي يكون في النقيضين؛ لما تقدّم أنّ وجود أحدهما يستلزم عدم الآخر، فإذا كان هذا في ماهيّتهما، فإنّه من باب أولى أن تختلف لوازمهما. وعدم اختلاف اللوازم في الضدّين يعني أنّه لو كان لازم الأمر هو الصحة والإجزاء، فلا بأس أن يكون النهي دالا - في بعض المواضع على صحة وإجزاء المنهي
عنه.
الدليل السادس: إنّ هذه العقود ورد الشرع بها تحصيلا لمصالح الخلق منها، لما علم في ذلك من لطف واستصلاح، فإذا ورد النهي عنها، فقد منع من الإقدام عليها، فقد علم أن لا مصلحة له فيها، أو مفسدتها تربو على مصلحتها، فلو أفادت المقصود عند الإقدام عليها، كان ذلك محركًا للنفوس لتعاطيها، ومفسدتُها الراجحة تمنع من الإقدام عليها، فيتناقض من قبل الشارع الصارف والباعث، وحكم الشرع على خلاف ذلك" (?).
ونقول: كيف يصح هذا الاستدلال وجمع كبير من الأصوليين كما تقدّم يجعلون الصلاة في الأرض المغصوبة مجزئةً، والبيع وقت النداء صحيحًا مع ورود النهي! وعليه فإن منع الشارع من الإقدام على المناهي ليس مطلقًا، كما أنّ نفي المصلحة عمّا ورد فيه النّهي ليس على إطلاقه أيضًا، ونحن لا نشجع بذلك على ارتكاب المناهي بحجّة تحقق المصلحة من ورائها، بل إن ارتكاب كل ما ورد عليه النهي إما أن يكون حكمه التحريم أو الكراهة بحسب المتعلّق الذي تعلّق به النهي، ولكن نقولُ إنّ المناهي تعامل بقدر ورودِ النّهي عليها، فورودُ النّهي على ذاتِ المنهي عنه لا يجعل جزاءه كجزاءِ النّهي الذي ورد على الوصف اللازم أو المجاور.
(1) الأبياري، علي بن إسماعيل (ت 616هـ)، التحقيق والبيان في شرح البرهان: تح علي بن عبدالرحمن الجزائري،
دار الضياء، الكويت، ط 1، 1434هـ / ????م، ج?/ ???، ???.
(07)