دلالة النهي على فساد المنهي عنه
الجزء ١ · صفحة ٦٦القرينة دلّت على أنّ النّهي توجّه إلى أمرٍ خارجيّ لا علاقة له بالتصرف ولا يُؤثر عليه، فكان حُكمه أن تترتب آثاره مع كراهة الفعل لأجل وجود النّهي؛ جمعًا بين مُقتضى النهي وبين مراعاة المقاصدِ والمصالح من وراء التصرفات الشرعية.
وبمثل هذا الاعتراض يُعترضُ على كلام الإمام السالمي، حيثُ قال: "والحجة لنا على صحته يعني هذا القول] ورجحانه على سائر المذاهب هي أن معنى كون الشيء فاسدًا أنه لم يقع موقع الصحيح في سقوط القضاء واقتضاء التمليك، والمعلوم أنّ المنهي عنه قد يقع صحيحًا كطلاقِ
يصح
. (?) '
عنه،
البدعة والبيع وقت النداء، فلا يكفي النهي في اقتضاء الفساد، بل لا بد من دليل، إذ لفظ النهي لا يُفيده لما ذكرنا من أنّ المنهي عنه قد فنقول: إن اقتضاء الفساد هو الأصل لما دلّت الأدلة على ذلك، وما صح من المنهيات هو من قبيل الاستثناء من هذا الأصل؛ للقرينة الصارفة. ويُرد بهذا الاعتراض أيضًا قولهم: إنّه "ليس في الفعل على وجهِ النهي أكثر من كونه منهيًّا والفساد زيادة صفة يفتقر من أثبتها إلى دليل" (2). وبالمقدمة التي بيناها أوّلا من تحديدِ الأصل في هذه القضيّة يسهل فهم المستند الذي استند إليه أصحاب هذا القول، إذ الخلافُ معهم راجع في الواقع إلى تحديدِ الأصل في دلالة صيغة النهي، فهم يقولون إنّ الأصل هو استقلالية الصيغة عن الدلالة على غير النهي، وغيرهم يُضيفون إلى التركِ الدلالة على الفسادِ وكُلّ أدلّتهم في الواقع تعود إلى هذا الأصل.
وقد فصل الباقلاني القول في الحد الفاصل بين ما يفسد وما لا يفسد من التصرفات، اعترافًا منه بأن هناك مناهي تصح وتترتب آثارُها، وبهذا عوّل على عدمِ دلالة النهي على الفساد كما تقدّم من جملة أدلتهم، فقال في بيان ذلك التفصيل: "فإن كان وقوعه مُصادفًا للنهي) (?) مخلًا لجميعِ شروطه الشرعية أو ببعضها التي جعلت شرطًا في صحة الفعل وإجزائه إن كان عبادة، أو في صحته
(?) السالمي، طلعة الشمس: 1/ 85، 86. (?) الشيرازي، شرح اللمع: 301/1.
(?) وجدتُها هكذا في النسخة التي اعتمدت عليها وهي طبعة مؤسسة الرسالة، ولعلّ الأصح "للمنهي"؛ لأنّ السياق
يُحدّدها.
(61)