دلالة النهي على فساد المنهي عنه
الجزء ١ · صفحة ٦٨المطَّلَبُ الثالِثُ: النَّهْيُ َدالّ على الفسَادِ في العِباداتِ دونَ المعاملاتِ والقائِلُونَ
بِهِ وأدلتهم:
الْفَرْعُ الْأَوَّلُ: القَائِلُونَ بِهِ:
يُفرّقُ أصحاب هذا القول بين النهي المتوجّه إلى العبادات وبين النهي المتوجّه إلى المعاملاتِ، فيُبطلونَ العبادات، ويصححون المعاملات، وينبغي التنبيه أولا أنّ العموم غيرُ مُراد؛ لأنّ النّهيَ المتوجّه إلى ذات التصرفات هو نهي دال على القبح الذاتي، فلا يصح ذلك التصرف بوجه من الوجوه؛ إذ لا يصح أن يُقال إنّ الصلاة بلا ركوع أو سجود للقادر أو الصلاة بلا وضوء صحيحة، ولا يصح أن يُجعل بيع الميتة والخنزير والخمر ونحوها مما لا يصلح ليكون مبيعًا صحيحًا. فعلمنا أنّ المقصود هو التصرفات التي توجّه النهي فيها إلى الأوصاف الملازمة والأوصاف المجاورة المنفكة.
والتعبير بالعبادات والمعاملاتِ هو أسلوب أكثر الأصوليين إن لم يكن كلّهم، ولكننا وجدنا الشريف التلمساني (ت ???هـ) يعبّر بحق الله وحق العبد (?)، أي لو تعلّق النهي بتصرف هو حق خالص الله أو كان حق الله فيه غالبًا فإنّه يبطل، ولو تعلّق النّهي بتصرف هو حق خالص للعبد أو كان حقه فيه غالبًا فإنّه لا يبطل، ونص محمد علي فركوس محقق كتاب مفتاح الوصول بأن تحقيق قول التلمساني لا يخرج عن القول بالفسادِ في العبادات دون المعاملات. ولا نعلم مرادَ المحقق من كونِ رأي التلمساني رأيًا موافقًا للرأي القائل بالفساد في العبادات دون المعاملات؛ لأنّ التلمساني مثل بالبيع وقت النداء حقًّا الله تعالى فأبطله، قال: "وإن كان النهي فيه لحق الله تعالى فإنّه فاسد، ولذلك قلنا: إنّ البيع وقت النّداء للجمعة يفشخ؛ لأنّه منهي عنه لحق الله تعالى" (2).
(?) يُنظر: التلمساني، محمد بن أحمد (ت 771هـ)، مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول: تح: محمد علي فركوس، مؤسسة الريان، بيروت، ط 1، 1419هـ / 1998م، ص 421، 422.
قال التلمساني: "وتحقيقُ المذهب أنّ النّهي عن شيء إن كان لحق الله تعالى فإنّه يُفسد المنهي عنه، وإن كان لحق العبد فلا يُفسد المنهي عنه".
(?) التلمساني، مفتاح الوصول: ص 422.
(63)