دلالة النهي على فساد المنهي عنه
الجزء ١ · صفحة ٧٠يتناول ما له صفة زائدة على حسنه، والنّهى يتناولُ ما ليس بحسن، يُبيّن ذلك أنّ الله سبحانه وتعالى إذا قال لنا: صلوا الظهر، ثمّ قال: لا تصلوها بغير طهارة، فإنّ هذا النهي يدلّ على أنّ الصلاة بغير طهارة قبيحة غير حسنة وغير مرادة، والأمرُ يدلّ على أن الصلاة المأمور بها حسنة مرادة، فأحدهما غير الآخر، فصحٌ أنّ المنهي عنه لم يتناوله التعبد" (?).
يظهر من
هذا الدليل أنّ تصوّر المسألة في ذلك الوقت كان بدائيًا، فالدليل في الواقع تناول شيئًا متفقا عليه؛ إذ المناهي المتوجّهة إلى ذاتِ العبادة تُبطلُها بالاتفاق، ولا يقول أحد بأن الصلاة بلا طهارة مجزئة؛ لأنّ النّهي في هذه الحالة توجه إلى ذات العبادة (2).
ونحن نوافق أن التعبّد لا يتناول المنهي عنه، لكن لا نقول بذلك مُطلقًا؛ لأنّ التعبد متعلّق بهيئة العبادة، متى ما كملت باكتمال أركانها وشروطها التي تقوم عليها فإنّ التعبد يتعلق بها، وتكون مجزئةً عند إيجادها؛ لأنّ إيجادها وافق صورة الأمر من حيثُ تحقيق الأركان والشروط.
والدليل الذي ذكره الفخر الرازي موافق في مضمونه لكلام البصري ولكنه أضبط، حيث قال: "أما العبادات فالدليل على أن النهي فيها يدل على الفساد أن نقول: إنّه بعد الإتيان بالفعل المنهي عنه لم يأتِ بما أُمر به فبقي في العهدة. إنما قلنا: إنه لم يأتِ بما أُمر به؛ لأنّ المأمور به غيرُ المنهي عنه كما تقدم بيانه فلم يكن الإتيان بالمنهي عنه إتيانا بالمأمور به. وإنما قلنا: إنه وجب أن يبقى في العهدة؛ لأنه تارك للمأمور به، وتاركُ المأمور به عاص والعاصي يستحق العقاب" (?). وكما سبق الاعتراض أنّنا لا نوافق على الإطلاق؛ لأنّ المأمور به تعلّق بهيئة وصورة العبادة الشكلية أو المضمونيّة بما يُحقِّقُ، ماهيّتها، وما عدا ذلك من الأوصاف - وإن كانت لازمة- فإنّها لا تؤثر في الماهية ضرورةً.
وهذا الدليل السابق متعلّق بإثباتِ تحقق الفسادِ في العبادة، أما ما يتعلّق بعدم تحقق الفساد في المعاملات فقد قال الفخر الرازي:
(?) البصري، المعتمد: ?/ ???، (بتصرف).
(?) وجه توجّه النهي إلى ذاتِ الصلاة حينما لا تُؤدّى بغير طهارة هو عدم تحقق هيئتها الشرعيّة، فإنّ الشارع أراد أن توجد الصلاة مسبوقة بالوضوء حتى تكون صلاةً شرعيّة، وتخلّف الوضوء يجعل الصلاة متحققة حسًا لا شرعًا.
(?) الرازي المحصول: ?/ ???، ???
(70)