دلالة النهي على فساد المنهي عنه
الجزء ١ · صفحة ٧١الدليل الثاني: "وأما المعاملات فالمراد من قولنا هذا البيعُ فاسد أنّه لا يُفيد الملك، فنقول: لو دلّ النهي على عدم الملك لدلّ عليه إما بلفظه أو بمعناه، ولا يدل عليه بلفظه؛ لأن لفظ النهي لا يدلّ إلا على الزجر. ولا يدلّ عليه بمعناه أيضًا؛ لأنه لا استبعاد في أن يقول الشارعُ: نهيتك عن هذا البيع ولكن إن أتيت به حصل الملك، كالطلاق في زمان الحيض والبيع وقت النداء، وإذا ثبت أن النهي لا يدل على الفساد لا بلفظه ولا بمعناه وجب أن لا يدلّ عليه أصلا" (?).
وكلام الرازي هذا يُعيدنا إلى مسألة ذكرناها سابقًا، وهي الأصل في صيغة النهي، فدليله قائم على أن أصل صيغة النهي لا تدلّ على الفساد، بل هو أمر خارجي؛ لأنه لا نفس الصيغة ولا معناها يدلّ على الفساد.
وهذا الاستدلال في هذا الموضع غريب؛ لأنّه ما المانع من أن ينطبق على العبادات أيضًا؟ والرازي ذكر هذا الاعتراض وردّ عليه ولا نجده مقنعًا، حيث قال: إن "النهي دلّ على أن المنهي عنه مغاير للمأمور به والنص دلّ على أن الخروج عن عُهدة الأمر لا يحصل إلا بالإتيان بالمأمور به، فيحصل من مجموع هاتين المقدمتين أنّ الإتيان بالمنهي عنه لا يقتضي الخروج عن العهدة" (2). وحقيقة هذا الاعتراض أنّ الفساد جاءَ من عدم إتيان المأمور به صحيحًا، وليس من ذاتِ
الصيغة.
وهو مردودٌ بأنّ هناك من العبادات ما لا يكون مأمورًا به على سبيل الحتم، بل فعله المكلف تطوّعًا، وهو مندرج ضمن أصلهم، فيُفسدونه، كصوم يوم العيد. ونخلص من هذا إلى أنّ القائلين بهذا القول يرون أنّ صيغة النهي مستقلة. عن الدلالة على الفساد موافقين بذلك أصحابَ القولِ الثَّاني، واقتضاء الفسادِ في العبادات عندهم عائد إلى كون إتيان العبادة وهي مأمور بها وفق تعبيرهم - خالصًا من المناهي، وإلا كان الإتيان على غير ما أُمر
به
(?) الرازي، المحصول: ?/ ???. وبنفس معنى هذا الدليل ذكر عند أبي منصور الحلي، مبادئ الوصول: ص???،
.???
(?) الرازي، المحصول: 2/ 294.
(77)